9
فيجب لتقرير ذلك مزيد من التحريات بين هنود الشمال الغربي وخصوصا هنود الجنوب الذين لا يزالون في المرحلة العليا للوحشية. وتشير التقارير عنهم إلى أن لحظات الحرية الجنسية لديهم من الكثرة الشديدة لدرجة أنه لا يمكن افتراض أن الموانع الكاملة موجودة أو أن كل مظاهر الزواج القديم قد اختفت. ونجد عند أربعين قبيلة على الأقل في شمال أمريكا أن الرجل الذي يتزوج الأخت الكبرى في عائلة يعتبر زوجا لباقي أخواتها بمجرد أن يبلغن سن الزواج، وتعتبر هذه الحالة إحدى الحالات الباقية من الزواج الجماعي (زواج مجموعة من الأزواج لمجموعة من الأخوات). ويذكر بانكرف أن قبائل شبه جزيرة كاليفورنيا «في المرحلة العليا للوحشية» لديها نوع معين من الأعياد تتجمع أثناءها عدة قبائل بقصد ممارسة العلاقات الجنسية دون أي قيود، وتمثل هذه الأعياد بالنسبة لهذه القبائل الذكريات المظلمة للأوقات التي كانت فيها كل نساء القبيلة تملك كل رجال قبيلة أخرى في زواج عمومي. وما زالت نفس العادة سارية في أستراليا، وفي شعوب قليلة يستغل الرجال الأكبر سنا والرؤساء ورجال الدين سلطتهم في السطو على كل زوجات الآخرين، ويحوزون معظم النساء على أن يسمحوا لهن بالعلاقات الجنسية الجماعية القديمة في أثناء الأعياد العامة. ويضيف وستر مارك أن هناك مجموعة كبيرة من الأمثلة لتلك الأعياد الدورية التي تمارس خلالها العلاقات الجنسية الحرة القديمة لمدة قصيرة، كما هو الحال عند الهوس والسانتالز والبانجاز والكوتار الهنود، وكذلك عند بعض الشعوب الإفريقية. ويستنتج وستر مارك بحق أن ذلك ليس زواجا جماعيا وإنما تشابها بين الإنسان البدائي والحيوان في موسم اللقاح.
ونصل الآن إلى الاكتشاف الرابع الكبير لباتشوفن، وهو الانتشار الواسع النطاق للعائلة المكونة من اثنين على أنقاض الزواج الجماعي. فقد وجد باتشوفن حالة فترجمها على أنها عقاب مخالفة التعليمات الإلهية، وهذه الحالة هي حق المرأة في الانسحاب من الزواج الجماعي ومنح نفسها لرجل واحد فقط، ويعتبر باتشوفن أن ذلك كان يعتبر عقابا نظرا لأن استسلام المرأة أصبح محدودا. وهناك عادات مماثلة ذات بواعث دينية شائعة بين معظم الشعوب الآسيوية في المنطقة الواقعة بين البحر الأبيض والقرغيز؛ فقد كانت نساء بابل ملزمات بالاستسلام مرة كل عام في معبد ميليتا، وكانت شعوب الشرق الأوسط الأخرى ترسل بناتها لمدة سنوات إلى معبد أنايتس حيث يستطعن معاشرة من يخترن من الرجال قبل أن يسمح لهن بالزواج. ويقول باتشوفن عن هذا التطور: «إن العلاقات الجنسية الواسعة للنساء المتزوجات في ظل الزواج الجماعي أعقبتها العلاقات الخاصة بغير المتزوجات، وممارسة العلاقة الجنسية أثناء الزواج أعقبتها الممارسة قبل الزواج، والاستسلام لكل رجل بلا تمييز أعقبه الاستسلام لرجال معينين.» وفي كثير من الشعوب نجد مثل هذه التعليمات الدينية معدومة. وفي بعض الشعوب مثل الثراسيانز والسلتس القدماء، وكثير من السكان غير الأصليين بالهند والملايو، وسكان جزر البحر الجنوبي، وكثير من الهنود الأمريكيين حتى يومنا هذا تتمتع الفتاة لديهم بحرية جنسية كاملة حتى تتزوج، ونفس الوضع نجده في جنوب أمريكا. ويذكر أجلسز في كتاب رحلة في البرازيل الذي صدر سنة 1886 أنه قدم إلى عائلة غنية من أصل هندي، ولما تعرف بالفتاة سأل عن أبيها الذي كان يعتقد أنه متزوج من أمها، فأجابته الأم مبتسمة: «ليس لها أب، إنها ابنة المصادفة.» وهي الطريقة التي تتحدث بها النساء الهنديات أو المولدات عن الأطفال غير الشرعيين دون أي شعور بالخطأ أو الخجل.
وتعتبر هذه الحالة العادية في تلك المناطق، والعكس هو الاستثناء؛ فالأطفال لا يعرفون غالبا سوى أمهاتهم، وتقع مسئولية العناية بهم على الأم، بل إن الأم وأولادها لا يعتقدون أن لهم أي حقوق على الأب. وما يظهر هنا للإنسان المتمدن على أنه شيء غريب يعتبر هو القاعدة السائدة في ظل نظام الانتساب للأم والزواج الجماعي.
ولدى شعوب أخرى يمارس أصدقاء الزوج وأقاربه أو ضيوف الزفاف حقهم التقليدي القديم في ليلة الزفاف نفسها ثم يأتي دور الزوج آخرهم، كما كان يحدث في جزر البليارك ولدى الأوجيلاس الأفريقيين القدماء، وكما يحدث إلى اليوم في أبيسينيا. ولدى شعوب أخرى يقوم شخص رسمي هو الزعيم أو الأمير أو الكاهن بالنيابة عن العشيرة في الليلة الأولى للعروس. ورغم كل المعايير الخلقية ما زال الحق في الليلة الأولى قائما ليومنا هذا بين معظم سكان ألاسكا الوطنيين
10 (كذكرى مقدسة من الزواج الجماعي)، وبين الناهوس بشمال المكسيك ولدى شعوب أخرى.
وقد كان الحق في الليلة الأولى مطبقا خلال العصور الوسطى في بلاد الغال الأصلية «فرنسا»، وقد تطور هذا الحق مباشرة من الزواج الجماعي. فرغم أن الفلاح لم يكن معتبرا من رقيق الأرض في مقاطعة كاستيل، كان نظام رقيق الأرض مطبقا في أبشع صورة في مقاطعة أراجون حتى ألغي بالمرسوم الذي أصدره فرديناند الكاثوليكي سنة 1486، وقد جاء بهذا المرسوم: «إننا نطبق العدل، ونعلن أن النبلاء والبارونات لن يناموا الليلة الأولى مع المرأة التي يتزوجها الفلاح كدليل على سلطتهم، كما لن يحصل النبلاء والبارونات على خدمات الفلاحين دون رغبتهم سواء بمقابل أو بدونه.»
ويعتبر باتشوفن على حق عندما قال إن الانتقال من الإباحية إلى الزواج بين اثنين قد تم عن طريق النساء، فكلما كانت العلاقات الجنسية الجماعية القديمة تفقد طابعها البدائي نتيجة لتطور الظروف الاقتصادية للحياة وتحلل المشاعية القديمة وازدياد عدد السكان، كانت النساء تعتبر العلاقات الجماعية عملا مهينا منحطا وتسعى إلى الحصول على حقها في الفضيلة والزواج المؤقت أو الدائم من رجل واحد فقط. وهذا التقدم لم يكن ممكنا أن يتم عن طريق الرجال؛ إذ لم يحلم الرجال أبدا «حتى إلى يومنا هذا» بالتخلي عن متعة الزواج الجماعي. ولما اضطر الرجال إلى الانتقال من الإباحية إلى الزواج بين اثنين تمسكوا بتطبيق هذه العفة على المرأة وحدها طبعا.
وقد ظهرت العائلة المكونة من فردين في الفترة بين عصري الوحشية والبربرية وبالتحديد في المرحلة العليا من الوحشية والمرحلة الدنيا من البربرية. وتعتبر هذه العائلة هي الشكل العائلي الخاص بعصر البربرية، كما يعتبر الزواج الجماعي هو الشكل العائلي الخاص بعصر الوحشية. ويعتبر الزواج بمعناه الحديث هو الشكل العائلي الخاص بعصر المدنية (وهو يختلف عن العائلة المكونة من فردين كما سيأتي). فإن التطور المستمر للعائلة المكونة من فردين إلى أن أصبحت زواجا بالمعنى الحديث يتطلب شروطا مختلفة عما رأيناه الآن.
ولو لم تظهر قوى اجتماعية دافعة جديدة إلى الوجود في كل مرحلة من مراحل التطور، لما كان هناك سبب لظهور شكل جديد من أشكال العائلة.
صفحة غير معروفة