فقال: حسن، اتكل على الله، واليوم خمر وغدا أمر.
قال شفيق: أنا لم أتكل على سواه في كل أعمالي، وهو لا يترك عثرة في طريق المتكل عليه.
الفصل الرابع والخمسون
المناجاة
وبعد هذا الحديث عاد حسن إلى بيته، وعاد شفيق إلى هواجسه وبلباله وهو غير آمل لقاء حبيبته، فأخرج الصورة وجعل يتأمل فيها ويخاطبها وعيناه تذرفان الدموع قائلا: هل أنت راجية بقائي يا منية فؤادي؟ أتعلمين أني لا أزال في قيد الحياة أم تظنين أني قتلت فيمن قتل؟ لا أظن إلا أنك قد يئست من لقائي، فبالله من لي بمن يوصل إليك أني لا أزال حيا خوفا من أن تلقي بنفسك إلى مهاوي الأحزان التي تضر بهذا الجسم السماوي اللطيف. ثم سكت برهة لا يتحرك وقال: ومن ينبئني أنك في قيد الحياة، وأنك لا تزالين على عهدي؟ أجل، إني واثق بصدق عهودك، وكفى دليلا ما فعلت بعزيز الذي نكث بعهود الصداقة، وأراد أخذك مني، ولكن يا ترى ما الفرق بين تلك المرة وهذه؟ ألعل اليأس من حياتي يغير شيئا من محبتك لي؟ أما إذا كنت سأقضي نحبي في هذه الديار، فأود أن تسليني وتتعلقي بمن يستطيع القيام بخدمتك، حتى إذا علمت ذلك قبل الممات أتوسد الثرى ولا أخشى عليك بأسا ولا دركا.
وأما أنتما أيها الوالدان اللذان ربياني منذ كنت طفلا حتى دببت وشببت وأنتما لا تعرفان موضعا لآمالكما إلا في. أهذه غاية آمالكما؟ لا أشك أنكما استعظمتما المصاب في، فمن لي بمن يخبركما أني لا أزال حيا أرجو العود إليكما؟ لعلي أستطيع القيام بمكافأتكما على المشاق التي كابدتماها وتكابدانها من أجلي. آه يا والدتي الحنون! كفى تسكبين الدموع علي. إني لا أزال حيا، وإذا سكبت الدموع دما لم يلمك أحد؛ لأنك تبكين ولدك وفلذة كبدك الذي قضيت أفضل سني عمرك في تربيته وتهذيبه، وآمالك محدقة به، إذا غاب عنك لحظة اضطرب قلبك خوفا عليه. أين ليلة فتح الخليج من هذا السفر الطويل؟ بالله يا أماه، كفكفي الدمع؛ إني لا أزال حيا، ولكن آه من يضمن لي الحياة حتى أراكما! أما إذا حبطت آمالكما، وأراد الله ألا أعود إليكما، فالبسا الحداد، وحلا الشعور، واقرعا الصدور، واندباني ما بقي لكما بقية من الحياة.
أما أنا فلولاكما، ولولا تلك التي وهبت لها قلبي ما خشيت الموت؛ لأني إنما أود الحياة من أجلكم، ولا أخاف الموت إلا لأنه يورث لكم الشقاء والبلاء، وأما الميت فإنه يدخل الراحة الأبدية.
ثم انتبه بغتة والتفت إلى ما حوله قائلا: مالك يا شفيق ولهذه الهواجس؟! إنك في بلاد الحرب والقتال، ولا بد لك من الصبر والجلد والحزم شأن الرجال، فدع عنك هذه العواطف، عسى الله أن يمن عليك بالفرج وهو على كل شيء قدير.
وألقى بنفسه على العنقريب يريد التوسد؛ تسكينا لما ألم به من التعب بسبب تلك الهواجس مخفيا الصورة في مكانها.
الفصل الخامس والخمسون
صفحة غير معروفة