فالقاضي يقرأ النصوص قراءة حرفية، ويعزلها عن سياقاتها في الماضي؛ فالفقيه القديم حينما قال بمقولة المعلوم من الدين بالضرورة يخرج من منظومة فكرية متكاملة، بها الفقه وعلم الكلام والفلسفة؛ فالعلم الضروري يقصد به: الذي ليس في حاجة في علمه إلى نظر أو استدلال. بلغة عصرنا البدهيات. والعلم النظري يقصد به: الذي ينتج عن نظر أو استدلال. كما قال الباقلاني المتوفى 304ه/917م في كتابه «تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل»، صفحة 35 و36، وفي كتاب «الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به»، صفحة 13؛ فمحتوى الإيمان الذي يعد الارتداد أو الخروج عنه كفرا هو: ما يعلمه المسلم علما ضروريا؛ أي دون حاجة إلى نظر أو استدلال أو تفكير فيه. وليس في كل ما أورده القاضي من أقوال قول واحد ينكر علما ضروريا؛ أي بدهيا في الدين؛ فليس ثمة قول ينكر أن الله واحد، وأن محمدا
صلى الله عليه وسلم
نبيه ورسوله، أو ينكر الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو الحج، أو يحرم حلالا أو يحل حراما، وإنما كل ما ورد هو من قبيل الاجتهادات النظرية الاستدلالية، بل إن الحكم انحرف انحرافا واضحا عن التعريفات المستقاة من كتب الفقه، وذلك حين عاد ليدمج فيها تصوراته الشخصية لتمهد له السبيل لإصدار حكم الردة.
وتناولت في موقف الحكم من كتاباتي مسألة مسألة، وعرضت وجهات نظر للشيخ «الإمام محمد عبده» فيها، وبينت عجز القاضي بسبب منهجه الحرفي في فهمه للنصوص، وعن فهم المعاني التي كتبتها ؛ ومن ثم انتزاع الاجتهادات من سياق الأدلة في مسائل الميراث وملك اليمين والجزية وعالمية الإسلام. وقدم الحكم قراءة مبتسرة للنصوص تنتزعها من سياقها قصدا ليحملها معاني لا تحتملها.
قبل مغادرتي مصر كنت قد بدأت التحضير لجزء ثان من كتابي «مفهوم النص»، سيكون عن مفهوم النص في السنة، وكان كتاب الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية هو جزءا منه، لكن أمامي الآن سؤال مهم نتج مما حدث يشغلني، وهو: «لماذا تتعرض شجرة التنوير للذبول بل والموت كلما نمت قليلا؟» فكتبت دراسة نشرتها مجلة «ألف» بالجامعة الأمريكية تحت عنوان «مركزية الغزالي وهامشية ابن رشد»، في عددها السادس عشر سنة ست وتسعين؛ ف «ابن رشد» لم يطق الفقهاء وجود رفاته على الساحل الأفريقي، فجمع الرفات في ناحية على ظهر دابة، وكتبه على الجانب الآخر، لينقل إلى الساحل الشمالي في الأندلس، وها أنا هنا على نفس الساحل بعد قرون، فكيف استطاع خطاب «الغزالي» الذي أصبح خطاب المركز والمهيمن أن يحصر خطاب «ابن رشد» في الهامش؟!
فحالات تراجع الجديد أمام القديم تسهم في تثبيت القديم في مكانته؛ فالمفكر حين يتراجع موهما نفسه أنه تراجع تكتيكي، لحين تتهيأ الظروف ويتطور وعي العامة، ما هذا إلا وهم. مهمة البحث التحليلي النقدي هو تفكيك الأفكار القديمة ونزع قناع القداسة عنها بردها إلى سياقها الأصلي بوصفها نتاجا بشريا تاريخيا؛ ف «أبو حامد الغزالي» (ت: 505ه/1111م) خطابه ذو بنية مزدوجة؛ فهو خطاب سلطة بامتياز في الشق الأشعري منه كمتكلم، يساند السلطة السياسية، ويبرر سيطرتها وهيمنتها وديكتاتوريتها أيديولوجيا، وهو أيضا خطاب للعامة والخاصة في شقه الصوفي كعزاء تجابه به سطوة السلطة. ويقدم لسلطة الدولة السنية سلاحا في صراعها ضد سلطة الشيعة؛ فوسطية «الغزالي» تلاقت فيها الأنظمة المعرفية الثلاثة التي أشار إليها «محمد عابد الجابري»؛ البيان والبرهان والعرفان، لكنها وسطية أفضت إلى تبرير السياسي بالفكري، وجعلت المعرفي تابعا للسياسي، وهذا كله في سياق انهيار شامل أدى إلى نكوص العقل الإسلامي وتحصنه بالسلفية؛ دفاعا عن وجوده ضد هجمات المغول والتتار.
و«ابن رشد » (ت: 595ه/1198م) رأى أن الخطر هو أن يكفر الناس بالحكمة أو بالشريعة؛ نتيجة لإشاعة التأويل بين الناس بأدلة الجدل والخطابة، «ففعل كما فعل «الغزالي»، وطالب بالنهي عن قراءة كتب الحكمة إلا لمن كان من أهل العلم، فوقع «ابن رشد» في شراك «الغزالي» بحله الوسطي، بأن تحجب المعرفة عن العامة، فلا تطرح عليهم أدلة الجدل أو البرهان. و«الغزالي» يبدأ حركته المعرفية من عالم الملكوت، ومنه إلى النص، ومن النص إلى عالم الحس والشهادة. والتأويل عنده هو فك شفرة النص الديني من أجل فهم العالم الذي تمثل اللغة تعبيره المجازي، لكن منهج الحركة المعرفية عند «ابن رشد» حركة معاكسة، يبدأ من العالم الطبيعي إلى ما وراء الطبيعة أو ما بعدها»، نزولا إلى النص الديني بالتأويل الذي تواصل به «ابن رشد» مع التراث المعتزلي. وخلال رغبته وسعيه للحركة من موقع الهامش قدم تنازلات، أو بتعبير «محمد أركون» ترضيات، والتي عمقت هامشيته؛ لأن هذه الترضيات بطريقة غير مباشرة كرست مركزية «الغزالي» بما تمثله من دلالات؛ فإذا كان لنا أن نستدعي «ابن رشد»، فليكن استدعاؤنا له ليس من أجل الصراع الأيديولوجي، بل من أجل تعميق فهمنا لأنفسنا ولتراثنا ولعصرنا.
أثناء بحثي عن بعض كتب التفسير بالمكتبة الوطنية في مدريد، عثرت على ترجمة للقرآن، يعود تاريخها لعام 1921م لصاحبها «محمد أحمد علي، هندي»، ينتمي إلى المدرسة الأحمدية، ولم تكن مجرد ترجمة إلى الإنجليزية، بل تفسيرا ضم ما يزيد على ألفين من التفسيرات المرقمة، تعرض لكل المشكلات المطروحة على الفكر الإسلامي في الغرب، سواء المرتبطة بالمسيحية أو بطبيعة السيد المسيح، وقضية الجبر والاختيار والناسخ والمنسوخ من منظور الدفاع عن الإسلام. ووجدت كتابا آخر ل «الطاهر بن عاشور» التونسي (1295ه/1879م-1390ه/1972م) بعنوان «التحرير والتنوير»، وهو كتاب في التفسير، فتركت موضوع السنة، وانشغلت بالبحث في إشكاليات التفسير والتنوير منذ «الطهطاوي ومحمود طه» في السودان، و«محمد شحرور» في سوريا، و«محمد إقبال والسيد أحمد خان وأبي الأعلى المودودي» في الهند، حتى «سيد قطب»؛ لدراسة إشكاليات التأويل في العصر الحديث، ووصلت إلى قرار هو أن أقبل المنحة الدراسية في جامعة «لايدن» وألا أعود إلى مصر.
2
لو عدت لمصر سيعطل المعلم بداخلي، ولأصبحت كباحث مشدودا للسجال؛ فلا بد من حماية الباحث «نصر أبو زيد» من القضاء عليه داخليا؛ حتى يتاح للمعلم العودة إلى طلابه أكثر عافية. كان ذلك وراء قبولي منحة جامعة «لايدن»، ولمكانة الدراسات الإسلامية الرصينة فيها. فوصلنا إلى هناك في الخامس والعشرين من أكتوبر عام خمسة وتسعين. «لايدن» تبعد أربعين دقيقة بالسيارة من العاصمة الهولندية، أمستردام. أقمنا في سكن تابع للجامعة، هو استراحة للأساتذة الزائرين؛ شقة صغيرة في الطابق الثاني بمبنى يطل على حديقة عامة. استقبلنا مصريون وعرب مقيمون في هولندا، وفي معيتهم أغنية «أم كلثوم» «على بلد المحبوب وديني»؛ فاللجوء ظاهرة عربية. وسفير مصر في هولندا رجل مهتم بحقوق الإنسان، أصر أن نتناول الغداء في بيته، وكان بنفسه في انتظارنا في المحطة، وغمرتنا زوجته الكريمة بترحابها.
صفحة غير معروفة