ومرجع آخر نضيفه إليها ولا نحسبه قليل الأثر في تكوين تلك العادة: أنه كان ضعيف البنية ضعيف الخوالج الجسدية؛ فلم تغلبه شهوات اللحم والدم ولم يعسر عليه ضبطها في عنان السمت مدى تلك السنين الطوال.
على هذه المراجع جميعها قام «أدب اللياقة» في خلائق أبي العلاء، أو قامت تلك الشيمة التي قلنا إنها لو تغيرت قليلا لخرج أبو العلاء رجلا آخر: من يقرأه لا يهجس في خاطره ذكر المعري المعهود. ترى هل كان تغييرها من المستطاع؟
وماذا كان المعري صانعا لو قدر على تغييرها؟
عالم السريرة
قلنا في ختام الفصل السابق إن الخصلة التي لو تغيرت في أبي العلاء غيرت معيشته كلها أو غيرت مذهبه في الحياة كله، هي خصلة الوقار وكراهة السخر والمهانة، أو هي خصلة «اللياقة» كما نسميها في العصر الحديث.
وقلنا إن هذه الخصلة مردودة فيه إلى مراجع كثيرة، وهي التربية في بيت العلم والوجاهة، والسليقة العربية، وفقد البصر، والكبرياء، وضعف البنية ضعفا أتاح له أن يكبح نوازع اللحم والدم ويقمع دوافع الشهوات.
وسألنا: هل كان من المستطاع تغيير هذه الخصلة؟ وماذا كان المعري صانعا لو أنها تغيرت بعض التغيير أو كل التغيير؟ •••
وعندنا أن تغييرها كان مستطاعا كما يستطاع كل تغيير في عوارض الصفات.
فإن تلك المراجع التي أنشأت فيه حب الوقار ليس من شأنها أن تنزع بصاحبها إلى النسك والزهد في الحياة إلا إذا اجتمعت في وقت واحد.
أما إذا افترقت ولو بعض الافتراق فليس النسك لصاحبها بلزام، وليس حتما عليه أن يأنف من نعيم الحياة.
صفحة غير معروفة