ولم أدر أيهما أخذ من الآخر، لاجتماعهما في عصر واحد. ولا يبعد أن يكون من التوارد، إلا أن قول ولادة أبلغ! •••
أما قول أبي العلاء:
مني إليك مع الرياح تحية
مشفوعة ومع الوميض رسول
فلا يعد من السرقة في شيء، وإن سبقه غيره إليه؛ لأن إرسال التحية مع النسيم أو البرق من المعاني الشائعة التي تداولتها الشعراء، ولم تزل تتداولها. وإنما يظهر التفاضل بينهم فيها بحسن سبكها وإبرازها في اللفظ المقبول، والتلطف في تصويرها. ولهذا تركت التنبيه عما وقع في شعره منها، كما أني لم أتعرض لما خفي ودق من سرقاته؛ لئلا يمر ناظر عليه من غير تثبت فينكره، ويرميني بالخطأ أو التحامل. •••
واعلم أن ما ذكرناه عن المعري في هذا الباب قلما يخلو منه شاعر قديم أو حديث، ولسنا بواصلين فيه إلى حد الجزم بأنه تعمد سرقته؛ إذ قد يعرض المعنى للشاعر فينظمه، ولا يمر بخاطره وقت نظمه أنه مسبوق به، وربما كان مما لم يقف عليه في شعر غيره. وباب التوارد واسع، كما وقع لطرفة بن العبد وامرئ القيس في قوله:
وقوفا بها صحبي علي مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجمل
فأتى به طرفة في معلقته مغيرا لقافيته فقط، فقال: «وتجلد» بدل «وتجمل»، وثبت عند الرواة أنه لم يطلع عليه قبل ذلك. وقال علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح:
8 «كان محمد بن وكيع متأدبا ظريفا، ويقول الشعر، وعمل كتابا في سرقات المتنبي، وحاف عليه كثيرا. وسألني يوما أن أخرج معه، واستصحب مغنيا وأمره ألا يغني إلا بشعره، فغنى:
صفحة غير معروفة