فقلت وأنا أدعو الله أن ينجيني من هذه الليلة، وأتلفت حولي لأبحث عن باب أو شباك يمكن أن أفلت منه إذا اضطر الأمر: لا أدري يا سيدي، ولكن ربما كان متعبا مثلا فنام ولم يشعر بشيء.
ولم تفد هذه الإشارة، بل زادته حماسا في بيان وجهه النظر التي لم أعرفها بعد: غلط، غلط! هذا خطأ يقع فيه مثلك أغلب الناس؛ فيونس لم يكن في موقف يسمح له بأن يغمض عينيه لحظة، على الرغم من أنه لو فتحهما فلن يرى شيئا في الظلام، لقد مضى في رأي بعض الشراح يختبر المكان ويفحصه بكل حواسه، وكان اعتماده بالطبع على يديه قبل كل شيء آخر، كان أول همه في البداية أن يعثر على جدران الحوت أو سطحه حتى يعرف طبيعة المكان الذي سيقيم فيه، ولما يئس من العثور على حدوده صرف نظره عن ذلك، وبدأ يبذل جهوده للتعرف على الوسط الجديد؛ لكي يستطيع أن يألفه ويتكيف معه. بالطبع كانت هناك عقبات كثيرة، وكان لا بد له أن يواجهها ويتغلب عليها أو على الأقل يعترف بها ويستسلم لها. فالأسماك المتوحشة - وبخاصة سمك القرش - التي كانت تسبح في جوف الحوت لم تكن تخلو من الخطر عليه، وكان لا بد له أن يبحث عن شيء حاد يتسلح به، وكان من السهل عليه أن يعثر عليه أيضا في هذا العالم المعتم المزدحم بكل شيء. «طبيعي أنك لن تسألني عن طعامه وشرابه، فالسؤال هنا سطحي جدا؛ إذ لم تكن المشكلة عنده أن يجد الطعام، بل كانت المشكلة الحقيقية أن يختار بين أصناف الطعام الحي والميت التي لا آخر لها، والتي كان يكفي أن يمد يده ليقبض عليها، وطبيعي أيضا أن السؤال عن المكان الذي كان يبيت فيه سؤال تافه أيضا؛ إذ كيف يتعب في البحث عن فراش وثير يمكنه أن يصنعه من الأعشاب أو من أخشاب السفن الغارقة التي كان يبتلعها الحوت؟!» هذان هما الرأيان المتصلان بحياة يونس في جوف الحوت، أما إذا كنت تريد أن تسأل سؤالا يستحق الاستماع إليه، فيمكنك أن تسأل عن صلته بالعالم الخارجي، وكيف كانت تتم؟ هنا أعترف لك بأن المسألة تزداد صعوبة، ولكن الراجح على كل حال أنه - لكي يعرف الزمن مثلا، أو ليتنفس هواء نقيا منعشا، أو ليطمئن على أن النور ما يزال يسطع في الخارج كلما طلعت الشمس - كان ينتظر حتى يفتح الحوت فمه من حين إلى حين - وقد تمتد المسافة بين كل فتحة وأخرى أياما أو شهورا، بل وقد تمتد في رأي البعض سنين طويلة - فيلقي نظرة على العالم الخارجي، أو يفكر جديا في الخروج من جوف الحوت، وإن كان تفكيره كما تعلم يظل تفكيرا فحسب، أما عن الحوت نفسه فالآراء مختلفة جدا في شأنه، حتى لتستطيع أن تقول إن هناك مدارس عديدة تقف لبعضها البعض بالمرصاد وتتحمس إلى حد قد يصل إلى إراقة الدماء من أجل هذا الرأي أو ذاك، فالبعض يقول إنه كان حوتا عاديا مثل الحيتان في بحار الدنيا ومحيطاتها، والبعض الآخر يقول إن الحوت هنا مجرد رمز، وإنه في الحقيقة كان يعيش في أعماق العالم نفسه حين كان يعيش في جوف الحوت، لا بل يذهب البعض إلى حد القول بأن الحوت هو الله نفسه، ابتلع يونس لا لكي ينتقم منه أو يمتحن صبره أو يعذبه، بل لأن ذلك كان أمرا طبيعيا لا بد أن يحدث ذات يوم، وأنه لم يبتلعه ويدخله في جوف حوت إلا لكي يؤكد له بصورة ملموسة أنه مثل غيره من الناس يعيش دائما داخل حوت هائل لا يمكنهم أن يهربوا منه.
تلك يا صديقي هي بعض الآراء في هذه المسألة، وهناك بالطبع آراء أخرى كثيرة مفصلة ومدعمة بالحجج والأسانيد لا أريد أن أشرحها لك حتى لا أطيل عليك، فالظاهر أنك تريد أن تنام وأنك ...
ويظهر أنني كنت بالرغم من مقاومتي الطويلة قد نمت بالفعل، فأحسست بيد تهز ضلوع صدري كأنها تريد أن تخترقه: يونس! يونس!
فتحت عيني المحمرتين، وفركتهما طويلا قبل أن أميز القاضي الذي كان محنيا علي كأنه يستمع إلى دقات قلبي، ويصيح: يونس! قلت لك أنت يونس نفسه! يونس في بطن الحوت!
لا أدري إلى الآن ماذا فعلت؟ كل ما أذكره أنني صرخت صرخة حادة، مفاجئة، مفزوعة، كصرخة المقتول وهو يحس بالسكين القاضية تخترق صدره قبل أن تصل إلى القلب، وقبل أن أغيب عن الوعي خيل إلي أن الأبواب المجاورة لنا تفتح عنوة، وصوت أقدام مسرعة تصعد السلم، وأناسا كثيرين تزدحم بهم الحجرة، ويتعالى صياحهم وضجيجهم كأن كل واحد يزعق في بوق، بل لا أخفي عليكم أنني - وأنا ما زلت راقدا في المستشفى أعالج من أثر الصدمة - لا أعرف الآن إن كان ذلك كله قد حدث لي في حجرة الفندق، أم أن ذلك الشخص الذي ظننته القاضي محمودا كان مجنونا اقتحم غرفتي، أو كان مجرد كابوس ثقيل جثم على صدري لحظة وأنا في عز النوم. إنني على كل حال ما زلت أعالج من الصدمة، وما زلت أفكر في البحث عن وكيل المحامي حسان، وفي إمكان رفع دعوى الحجر على أبي الذي نسينا أنا وأمي وأخوتي الثلاثة وطردني من بيته كما قال إلى الأبد.
1964
البيت
كان الوقت ليلا عندما وصل الدكتور، وكانت المحطة الريفية هادئة، والقمر تفاحة مشتعلة تتوسط السماء، والسكون يغرق القرية والحقول المحيطة بها، فلا يكاد يسمع الإنسان - فيما عدا نباح كلاب متفرقة - سوى صوت أنفاسها البطيئة تتصاعد إلى السماء. وعندما وقف القطار راح أخوه الأكبر سليمان وابن عمه حامد - لعله لا يذكر الآن أن له ابن عم - يجريان بين النوافذ بحثا عنه، وأخيرا سمعا صوته ينادي عليهما، هرولا نحوه وهما يشعران بالارتياح؛ لأنه أراحهما من عناء البحث بين وجوه الناس، وربما شعرا كذلك بالامتنان نحوه؛ لأنه لم يتعبهما كثيرا في تذكر وجهه الذي لا بد أنه تغير كثيرا، عانقه أخوه بحرارة واستعذب طعم شفتيه على فمه وبين عينيه. قال الدكتور لنفسه: لماذا هزل سليمان إلى هذا الحد؟ ربما كان السكر أو داء البلهارسيا اللعين! وسقط ضوء القمر على رأس أخيه فخنقته الدموع، ها هو ذا الرأس قد شاب ولم يبلغ أخوه الأربعين. يا لبلدنا الذي لا يعرف الشباب ولا يرحمه! وأقبل ابن عمه فشده إليه بعنف كاد يخنقه، وأخذ يخبط على يده فأحس كم هي خشنة أيدي الفلاحين!
حلف شقيقه أغلظ الأيمان وحمل حقيبته، وخاف من شهامة ابن عمه فسلم له الأخرى قبل أن يفتح فمه، وسار في الوسط وهو يبتسم لذكرياته ويعانق القمر والأشجار والأرض المخضرة بنظراته وضحكاته، خبط حامد على ظهره، وقال: والله سلامات، خمس سنين يا رجل! وانتزع سليمان نفسه من أحلامه وأحزانه ورفع رأسه إلى وجهه الأبيض الناعم، وقال شرفتنا يا دكتور، البلد نورت. قال الدكتور: والله وحشتموني، هل تعرف ما في نفسي الآن؟ أن أذهب إلى بيتنا وألبس الجلابية والطاقية وأتمدد على الكنبة في المنظرة. وجم سليمان ونظر إلى ابن عمه، سكتا ولم يقولا شيئا، سبح الدكتور في ذكرياته: المزلقان، شريط السكة الحديدية، الكرة الشراب، خناقاته مع الأولاد، والشعر الذي كان يكتبه وهو يتمشى على هذا الطريق.
نامعلوم صفحہ