[121_2]
ليوقظوهم من سنة سكرتهم، كالطبيب الذي يجب عليه في صناعته حفظ الأجساد على صحتها، أو ردها إلى الصحة، فكرهت أن يموت أو أن أموت وما يبقى على الأرض إلا من يقول: إنه كان بيدبا الفيلسوف في زمان دبشليم الطاغي فلم يرده عما كان عليه. فإن قال قائل إنه لم يمكنه كلامه خوفا على نفسه، قالوا: كان الهرب منه ومن جواره أولي به، ولانزعاج عن الوطن شديد، فرأيت أن أجود بحياتي فاكون قد أتيت فيما بيني وبين الحكماء بعدي عذرا، فحملتها على التغرير أو الظفر بما أريده؛ وكان من ذلك ما أنتم معاينوه؛ فإنه يقال في بعض الأمثال إنه لم يبلغ أحد مرتبة إلا بإحدى ثلاث: إما بمشقة تناله في نفسه، وإما بوضيعة في ماله، أو وكس في دينه؛ ومن لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب.
35 - وقد يقال إلزام ذا العقل وذا الكرم، واسترسل إليهما، وإياك مفارقتهما، وأصحب الصاحب إذا كان عاقل كريما، أو عاقلا غير كريم، أو كريما غير عاقل، فالعاقل الكريم كامل، والعاقل غير الكريم أصحبه وإن كان غير محمود الخليقة؛ وأحذر من سوء أخلاقه، وانتفع بعقله، والكريم غير العاقل ألزمه ولا تدع مواصلته، وإن كنت لا تحمد عقله، وانتفع بكرمه وأنفعه بعقلك، والفرار كل الفرار من اللئيم الأحمق.
36 - فقلت في نفسي: ما الإخوان ولا الأعوان ولا الأصدقاء إلا بالمال، ووجدت من لا مال له إذا أراد أمرا قعد به العدم عما يريده، كالماء الذي يبقى في الأدوية من مطر الشتاء، لا يمر إلى نهر، ولا يجري إلى مكان، فتشربه أرضه؛ ووجدت من لا إخوان له لا أهل له، ومن ولد له ذكر له، ومن لا مال له لا عقل له ولا دنيا ولا آخرة، لأن الرجل إذا افتقر قطعه أقاربه وإخوانه؛ فإن الشجرة النابتة في السباخ، المأكولة من كل جانب، كحال الفقير المحتاج إلى ما في أيدي الناس؛ ووجدت الفقر رأس كل بلاء، وجالبا إلى صاحبه كل مقت، ومعدن النميمة؛
صفحہ 121