تاویلات
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ثم أخبر عما قضى { فوكزه موسى } [القصص: 15] بقوله تعالى: { ودخل المدينة } [القصص: 15] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها } يشير إلى أن موسى القلب دخل مدينة الإنسانية: { ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها } [القصص: 15] وهم الصفات النفسانية ولو لم يكن على حين غفلة من الصفات لما أمكن له الدخول فيها لعداوتها إياه { فوجد فيها رجلين يقتتلان } أي: صفتين { هذا من شيعته } أي: من صفات القلب { وهذا من عدوه } أي: من صفات النفس { فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى } [القصص: 15] القلب بقوة الروحانية { فقضى عليه } أي: عليها وفزع منها وبقوله: { قال هذا من عمل الشيطان } [القصص: 15] يشير أن قبل صفات النفس والجهاد معها إن لم يكن بأمر الله تعالى وسبيل المتابعة يكون من عمل الشيطان و { إنه عدو مضل مبين } ويجب الاستغفار عليه كما قال موسى: { قال رب إني ظلمت نفسي } [القصص: 16] إذ جاهدتها بأمر الشيطان لا بأمرك { فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم } [القصص: 16] لمن يستغفره وتاب إليه.
[28.17-21]
{ قال } موسى القلب { رب بمآ أنعمت علي } بالمغفرة { فلن أكون ظهيرا للمجرمين } [القصص: 17] وهم الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع والمتابعة كالفلاسفة والبراهمة والوهابيين وغيرهم وبقوله: { فأصبح في المدينة خآئفا يترقب } [القصص: 18] يشير إلى أن موسى القلب في ابتداء أمره إذا لم يكن محلا لوارد الغيب مستظهرا بالإلهامات الربانية واثقا بظهور الآيات عليه مطمئنا بإمداد شواهد الحق لديه فيتعدى على بعض صفات النفس مكرها بقوة مساعد الصدق، فيذكر سطوة سلطنة فرعون النفس واستيلائه عليه يصبح خائفا يترقب سطوة قهره أو يترقب نصرة الله إياه { فإذا الذي استنصره بالأمس } من صفات القلب { يستصرخه } لإغاثته وإعانته على قهر صفة أخرى من صفات النفس { قال له موسى } القلب على خيفة من فرعون النفس لئلا يعاقبه على ما صدر منه { إنك لغوي مبين } [القصص: 18] بأنك تنازع ذا سلطان قوي قبل أوانه، ثم هز موسى القلب حمية الدين ورجولية الطبع الروحانية، فهم بتقوية صفته على قهر صفة النفس، وذلك قوله تعالى: { فلمآ أن أراد } [القصص: 19] يعني: موسى القلب { أن يبطش بالذي هو عدو لهما } يعني: صفة القلب من خوف سطوات فرعون النفس: { قال يموسى } يعني: موسى القلب مداهنا { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس } [القصص: 19] أحال القتل إلى صديقه ومعاونه خوفا من عدوه ومعاداته دفعا للضرر عن نفسه والمعنى أتريد أن تقهر هذه الصفة النفسانية، كما قهرت صفة أخرى بالأمس تهييجا للفتنة وتحريكا لفرعون النفس لتقوم بالانتقام، فيبدأ بقهر صفات القلب ثم يقهر القلب { إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض } [القصص: 19] عاليا على الأعداء { الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين } [القصص: 19] مع الأعداء مداهنين رعاية لصلاح الوقت.
وبقوله: { وجآء رجل من أقصا المدينة يسعى } [القصص: 20] يشير إلى العقل وهو جاءه من أقصى مدينة الإنسانية، وهو من أعلى رتبة الروحانية ساعيا في طلب نجاته { قال يموسى } [القصص: 20]، يعني يا موسى القلب { إن الملأ } [القصص: 20] يعني: فرعون النفس وقومه أي صفاتها { يأتمرون بك } [القصص: 20] يتشاورون ويحتالون في أمرك { ليقتلوك } [القصص: 20] ليهلكوك ويغلبوك فاخرج من مدينة البشرية إلى صحراء الروحانية { إني لك من الناصحين } [القصص: 20] المرشدين إلى صلاح مالك { فخرج } [القصص: 21] موسى القلب { منها } أي: من مدينة البشرية ينصح العقل وإرشاده وترك مألوفات الطبع { خآئفا } من سطوات فرعون النفس ومكائد جنوده من الهوى والأوصاف الذميمة الحيوانية والشيطانية { يترقب } مكائدهم بل ينتظر هداية الحق ونصرته { قال رب نجني من القوم الظالمين } [القصص: 21] بدفع شرهم عني واستيلائهم علي بل بنصرتي عليهم وتصرفي فيهم.
[28.22-26]
ثم أخبر عن توجه موسى القلب من مدينة البشرية الحيوانية تلقاء مدين الروحانية بقوله تعالى: { ولما توجه تلقآء مدين } والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { ولما توجه تلقآء مدين } [القصص: 22] يشير إلى توجه موسى القلب إلى مدين عالم الروحانية مجتنبا شر فرعون النفس { قال عسى ربي أن يهديني سوآء السبيل } [القصص: 22] { ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس } [القصص: 23] من أوصاف الروح { يسقون } موسى أخلاقهم من ماء الفيض الإلهي { ووجد من دونهم امرأتين } [القصص: 23]، وهما السر والخفي وهما ابنتا شعيب الروح في البداية بالتدريج فتنشأ منه الخفي وهو لطيفة ربانية مودعة في الروح بالقوة، فلا يحصل بالفعل إلا بعد غلبات الواردات الربانية ليكون واسطة بين الحضرة والروح في قبول تجلي صفة الربوبية، وإفاضة الفيض الإلهي على الروح فيكون في هذه المدة بمعزل عن الاستيفاء، وكذلك السر وهو لطيفة روحانية متوسطة بين القلب والروح قابلة لفيض الروح مؤدية إلى القلب، وهو أيضا بمعزل عن استيقاء ماء فيض الروح عند شغل القلب بمعالجات النفس وصلاح القالب إلى حين توجه موسى القلب إلى مدين عالم الروحانية فقال لهما { ما خطبكما } فارغتين من الاستقاء { قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء } [القصص: 23] وهم صفات الروح ويصرفوا ومواشيهم وهي الصفات الإنسانية عن ماء فيض الإلهي، فإذا صدرت سقينا مواشينا من أوصافه والأخلاق ما أفاضت في حوض القوى { وأبونا شيخ كبير } [القصص: 23] وهو شعيب الروح لا يقدر على سقي مواشيه من الأوصاف الإنسانية إلا بالأجر أو الوسائط، وإنا لا نطيق أن نسقي لضعف حالنا { فسقى لهما } [القصص: 24] أي: سقى موسى القلب لمواشيهما بقوة استنادها من الجسد وقوة استنادها من الروح؛ لأنه متوسط بين العالمين ولهذا سمي قلبا؛ لأنه في طلب العالمين جسماني وروحاني: { ثم تولى إلى الظل } [القصص: 24] إلى ظل العناية فقال: { رب إني لمآ أنزلت إلي من خير } [القصص: 24] وهو الفيض الإلهي { فقير } [القصص: 24] فيه إشارة إلى أن السالك إذا بلغ عالم الروحانية لا ينبغي أن يقنع بما وجد من معارف ذلك العالم بل يكون طالبا للفيض الإلهي بلا واسطة { فجآءته إحداهما تمشي على استحيآء } [القصص: 25] يشير إلى صفوة الخفي وهي بنت شعيب الروح الكبرى منهما { قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } [القصص: 25] به يشير إلى أن موسى القلب وإن يسلك طريق الوصول إلى صفوة شعيب الروح فإنه لا يصل إليه إلا باستحضاره لديه وهو أيضا مشتمل من محضري الحق الذي هو مورد الفيض الإلهي وحركاته أيضا من نتائج الفيض وجذبات الحق تعالى وبقوله: { فلما جآءه وقص عليه القصص } [القصص: 25] يشير إلى أن القلب إذا وصل إلى مقام الروح، كما يستفيد من صفات الروح وخواصه كذلك يفيد الروح من خواص صفاته ومما استفاد من النفس وصفاتها، وبقوله تعالى: { قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين } [القصص: 25] يشير إلى أن القلب مهما يكون في مقام يخاف عليه أن يصيبه آفات النفس وظلم صفاتها.
وبقوله: { قالت إحداهما يأبت استئجره إن خير من استئجرت القوي الأمين } [القصص: 26] يشير إلى أن الخفي بإشارة الحق تعالى فإنه مهبط أنواره وأسراره وإلهامه يشير إلى الروح بأن تتصرف في القلب ويستعمله في رعاية مصالحه ومصالح نفسه بقوله { استئجره إن خير من استئجرت } [القصص: 26] استعملت من النفس في الجسد القوي الأمين؛ لأنه يستمد القوى من الجسدانية والأمانة من الروحانية، وأنه ذو النسبين بينما له صورة جسدانية ومعنى روحانيا.
[28.27-29]
وبقوله: { قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج } [القصص: 27] يشير إلى الروح في تبليغ القلب على مقام الخفي يحتاج إلى سيره في مقامات صفاته الثمانية المخصوصة به في خلافة الحق تعالى وهي: الحياة والإرادة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والبقاء، فإن القلب باتصافه بهذه الصفات وقوة فوائدها يرتقي إلى مقام الخفي { فإن أتممت عشرا فمن عندك } [القصص: 27] لأن هذه الاثنين تمام العشرة راجعة إلى خصوصية القلب، وهما المحبة والأنس مع الله وفي تلك الثمانية كما أن القلب في الاتصاف بها كمالية، كذلك للروح في ازدواج صفاء القلب من صفاته كمالية، ولهذا ذكر بلفظ الإنكاح وبقوله { ومآ أريد أن أشق عليك } [القصص: 27] يشير إلى أن تلك الصفتين ليستا مما اختص به فلا يشق عليه بها { ستجدني إن شاء الله من الصالحين } [القصص: 27] الوافين بالوعد والعهد { قال } [القصص: 28] موسى القلب مع شعيب الروح { ذلك بيني وبينك } بالتسليم والتسلم { أيما الأجلين قضيت } [القصص: 28] في التخلق بأخلاقك الثمانية وفي المحبة والأنس مع الله { فلا عدوان علي } [القصص: 28] أي: ليس لك علي أن تمنعني به عن مقامك؛ لأنك من خصوصيتك بالخلافة مجبول على هذه الأوصاف الثمانية، وأما المحبة والأنس مع الله صفتان مخصوصتان بالحضرة
ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء
نامعلوم صفحہ