اليهود في هولاندا
ومن المعلوم أن هولاندا كانت في مقدمة الممالك الأوروبية التي أفاقت من الجهل والغباوة، فقدرت اليهود حق قدرهم وعطفت عليهم، ففي أوائل القرن السابع عشر أذنت لهم بالنزول فيها أيان شاءوا وأجازت لهم الاتجار والاشتغال بجميع الحرف والمهن، وفي أواخر القرن الثامن عشر خولتهم حق اتخاذ رعوية البلاد، ولا نسهب الكلام في هذا الموضع عما أصابته هولاندا من الربح في عملها هذا، فإنها سبقت سائر بلدان أوروبا في التجارة والزراعة، ولا تزال في مقدمتها في الغنى والعلم والتقدم والتمدن.
عودة اليهود إلى إنكلترا
وبعد أن نفي اليهود من إنكلترا حاولوا دخولها ثانية في أيام كرمويل، أي: بعد 300 سنة لطردهم منها، وكان كرمويل وجمهور القضاة والمحامين يميلون إلى إرجاعهم، لكن الأمة عارضت في الأمر لا سيما الفئة الدينية منها، فتعينت لجنة من الأساقفة ورجال الكهنوت للبحث في القضية وبت الحكم فيها، وطال الجدال بينهم حتى استغرق سنين عديدة إلى أن تولى عرش الملك الملك شارل الثاني، ولما كان في أشد الحاجة إلى اليهود أذن لهم بالعودة إلى إنكلترا، وفي سنة 1723 سمح لهم باقتناء الأملاك والأراضي فيها، وفي سنة 1753 نالوا حق الرعوية، ولم يزالوا يمنحون ما بقي من الحقوق واحدا بعد الآخر حتى كانت سنة 1858، وفيها سمح لهم بدخول البارلمنت، وتقلد الوظائف العالية كالنظارات وغيرها، وقد نبغ منهم في إنكلترا أفراد معدودون سنأتي على ذكر بعضهم في الفصل الخاص بذلك.
اليهود في فرنسا
قلنا: إن بعض اليهود الذين طردوا من إسبانيا ذهب إلى فرنسا فلقوا فيها مشقات ومصاعب شتى, وأذن لهم في أواسط القرن السادس عشر بالسكن في بعض مدن تلك البلاد وأقاليمها، وفي سنة 1790 نحو بداءة الثورة الفرنسوية العظمى رفعوا عريضة إلى مجلس نواب الأمة يطلبون فيها منحهم حق الرعوية ومساواتهم بسائر أهل البلاد، وكان ميرابو في جملة أنصارهم، فمنحوا ذلك الحق، ومن ذلك الحين أطلق عليهم لقب إسرائيليين في فرنسا، وفي سنة 1806 جمع نابوليون الأول مجمعا من علمائهم وألقى عليهم أسئلة مختلفة؛ ليمتحن أهليتهم لتأييد حق الرعوية هذا، فأحسنوا الجواب على أسئلته جميعا فاعترف بهم وبمجامعهم ومدارسهم، ومن ذلك الزمان أخذوا يرتقون في الوظائف والمناصب الأميرية حتى تولى بعضهم النظارات ونالوا رتبا سامية في الجيش والأسطول، وقد أجلوا في الحروب والمواقع البحرية عن شجاعة وبسالة نادرتي المثال كذبتا ما اتهمهم به المنافقون من الجبن رغما عما في تاريخهم من دلائل الشجاعة والنخوة.
وقد لقوا في أواخر القرن الماضي بعض الكره والعدوان من مواطنيهم بسبب مسألة دريفوس، لكن براءة الرجل اتضحت في المحاكمة الثانية، وعادت الأمور إلى مجاريها.
ويقال بالإجمال: إنهم في القرنين الأخيرين نالوا حقوقهم في جميع ممالك أوروبا وأميركا وصاروا كغيرهم من مواطنيهم، إلا في روسيا، حيث صادفوا اضطهادا شديدا منذ بضع سنوات، فجارت عليهم الحكومة وأمرت بطرد بعضهم من بلادها، وحظرت على الباقين السكن إلا في أقاليم معينة من البلاد.
ولا تكاد بقعة من الأرض تخلو منهم وهم في جميع العالم أصحاب همة وكد محبون للعمل عارفون بأساليب الكسب ، وتراهم في البلدان التي نالوا فيها تمام المساواة مع غيرهم يشتركون في أفراح الأمة وأحزانها، ويهتمون برفعة شأنها وتوطيد عزها، ويجود مثروهم بالأموال في سبيل الذود عنها وتقدمها وزيادة مجدها وعظمتها.
هذا ملخص تاريخ هذا الشعب المشهور، وما لقيه من المصاعب والمشقات والاضطهاد والقتل والسبي والنفي في أوروبا وغيرها بعد خراب أورشليم، لكن العناية التي اختصته من بين الشعوب القديمة أبت إلا بقاءه ولم تسمح بانقراضه، فإنه لم يزل يزداد عددا وثروة ونفوذا وسطوة رغما عما صادفه من تعصب القوم عليه وارتياحهم إلى إفنائه، واتخاذهم في العصور المختلفة جميع الوسائل لخضد شوكته وإذلاله، فإن جميع هذه المساعي السيئة أخفقت وكأنها جاءت منشطة لليهود فتقدموا ونجحوا، لا سيما النجاح المالي حتى بات من الحقائق المقررة أن زمام الأمور المالية الكبرى في العالم في أيديهم.
نامعلوم صفحہ