وكانت رياسة بطرس باشا للمحكمة المخصوصة التي أصدرت الحكم مما أخذ به وليم عليه، ولكن دون لومه ومؤاخذته على اتفاقية السودان، ويقول المدافعون عن بطرس باشا في هذه المسألة: إن حكم دنشواي كان حكما سياسيا أملته السلطة الإنجليزية التي أمرت بإرسال المشانق قبل أن يصدر، إذ أرادت أن تضرب بكل صرامة وحزم، وإنه كان صادرا من أغلبية إنجليزية لأعضاء المحكمة، فلم يكن للأقلية الموجودة فيها - بحكم القانون - بد من إقراره وتوقيعه، وبطرس باشا كان رئيسا للمحكمة المخصوصة بحكم القانون الذي ألقى بهذه الرئاسة إلى ناظر الحقانية، فكان لا مفر له من الخضوع لرأي أغلبية الهيئة التي يرأسها والتي أصدرت ذلك الحكم الجائر.
وهذا الدفاع على ظاهره من الوجاهة لا ينهض حجة لتبرير عمل بطرس باشا إلا إذا كان هو معتقدا عدالة الحكم الذي أصدره وإنسانية تنفيذه مما لا يصدق على رجل كان له من عواطف الخير والإنسانية ما كان لبطرس، ذلك بأن الرجل الذي يجلس رئيسا لهيئة قضائية يعهد إليها بتطبيق العدل يجب ألا يخضع لصوت غير صوت الضمير ولاعتبار غير اعتبار العدل المجرد من كل هوى، فأما أن كانت المحكمة المخصوصة ليست هيئة قضائية وكانت صورة هزلية لعدل لا وجود له وإنما تملي السياسة أحكامه، فكان حريا برجل له ما كان لبطرس من دهاء ومقدرة أن يصل من تخفيف الجور إلى أقل حدوده وألا يرضى هذا التنفيذ الذي بعث إلى قلب الإنسانية جمعاء رعشة اشمئزاز وتقزز واستفز في نفسها أشد المقت لعمل لا يمكن أن يكون من الإنسانية المهذبة ولا من الإنسانية المتوحشة في شيء.
وكان حكم دنشواي خاتمة سيئة لحياة سياسي ماهر هو لورد كرومر، فعلى أثر صدوره وتنفيذه بدأت مكانة إنجلترا - كأمة مدنية ونظام - تتزعزع في نفوس المصريين على اختلاف طبقاتهم، وبعد أن كانت الوكالة البريطانية معتبرة ملجأ العدالة في مصر، وكانت ألوف العرائض والشكاوى ترفع إليها طلبا للنصفة من ظلم الحكام بل من حيف القضاء؛ تراجع المتظلمون مذعورين أن فتحت أشباح المشانق والمشنوقين والمجالد والمجلودين عيونهم على منظر بشع يتردد الإنسان في التحديق به، بل يولي منه فرارا ويمتلئ منه رعبا؛ لذلك لم تطق الوزارة الإنجليزية أن تؤيد عميدها في مصر فاضطر إلى الاستقالة في مارس سنة 1907 كما اضطرت الحكومة البريطانية إلى الموافقة على العفو - بفضل جهاد مصطفى كامل - عن مسجوني الدنشويين.
وخلف السير الدون غورست لورد كرومر كعميد لإنجلترا في مصر، وأراد أن يسلك فيها سياسة أخرى هي التقرب إلى الخديو الذي كان مؤيدا حتى يومئذ لمصطفى كامل وللحركة الوطنية، وربما خيل إلى السير غورست يومئذ أن الخديو كان قديرا على توجيه حركة مصطفى كامل وجهة أخرى ما دام هو الذي خلق هذه الحركة وغذاها، متناسيا أن الزعيم الشعبي مرتبط دائما بالمبادئ والمثل العليا التي نادى بها ولو اعتقد عدم إمكان تنفيذها، أو لعله قصد بسياسة الاتفاق مع الخديو إلى ما حدث بعدها من انفصال الحزب الوطني عن عباس الثاني ووقوفه منه موقف العداوة الصريحة في بعض الظروف، على كل حال فقد خلقت سياسة غورست في مصر جوا جديدا ووجهت الأنظار إلى نواح لم تكن تتجه إليها طويلا من قبل.
ومما اتجهت إليه الأنظار يومئذ اتجاها خاصا المطالبة بالدستور وتقرير سيادة الأمة، فقد تألف حزب الأمة وجعلت «الجريدة» - وعلى رأسها الأستاذ لطفي بك السيد - يدعون إلى الدستور بكل ما لديهم من قوة، ويدللون على فساد نظام مجلس الشورى فسادا بينا، وإذ كان حزب الأمة يعبر عن الرأي المعتدل في مصر فلم يكن في مقدور الحكومة ألا تستمع له في هذا الشأن، لكن وزارة مصطفى فهمي كانت قد سلخت في دست الأحكام ثلاث عشرة سنة منفذة لسياسة خاصة لا تتفق مع السياسة الجديدة التي جاء بها السير غورست ولا تتفق مع تطور المطامع المصرية؛ لذلك استقالت في سنة 1908 وعهد الخديو إلى بطرس باشا بتشكيل الوزارة الجديدة فشكلها، وكانت فاتحة أعماله فيها أن قررت الحكومة علنية جلسات مجلس الشورى وحضور الوزارة المجلس لمناقشة أعماله وللإجابة عما يوجه إليها من الأسئلة، وأن عينت البرنس حسين كامل (السلطان حسين) رئيسا للمجلس زيادة لهيبته واحترامه، لكن هذه الخطوة الأولى كانت دون ما تطلب الأمة بمراحل، فلم تخفف لذلك من المطالبة بالدستور بل زادتها قوة واندفاعا، وإذ كان بطرس يميل إلى تحقيق هذا المطلب فقد سعى سعيه لدى معتمد إنجلترا كي يضع نظاما يقرب مصر من الحكم الذاتي.
وكان السير غورست لما يصل أمام الرأي العام البريطاني إلى شيء من مثل مكانة لورد كرومر؛ لذلك رأى أن حركة الصحافة حركة عنيفة في مصر قد تحول بينه وبين موافقة الحكومة البريطانية على طلب الحكومة المصرية، كما رأى أن حالة الأمن ليست كذلك مما يؤيده عند وزارة خارجيته؛ لذلك طلب أن يبعث قانون الصحافة الذي سن في سنة 1882 مبيحا للإدارة حق إنذار الصحف وتعطيلها، وأن يوضع قانون النفي الإداري لإرهاب الجناة، والظاهر أن حرص بطرس باشا على تحقيق خطوة جديدة في سبيل الحكم الذاتي كان شديدا، وكثيرا ما يلجأ السياسي الشديد الحرص على تحقيق غاية معينة يراها ذات خطر في حياة أمته إلى قبول أشياء لا يقبلها غيره ما دام يعتقدها أشياء مؤقتة قليلا ضررها إلى جانب الغاية العظيمة المرجوة؛ لذلك لجأ بطرس بإزاء رفض زميليه سعد زغلول ومحمد سعيد لطلب المعتمد البريطاني بعث قانون الصحافة وإصدار قانون النفي الإداري إلى وساطة الخديو عندهما، فأوفد سموه من رجاله من أقنعوهما، فصدر القانونان في سنة 1909 فأحدث صدورهما في البلاد دويا هائلا ووقفت الصحافة ووقف الرأي العام يندبان الحرية المضاعة بغير ثمن إلا إرضاء المطامع الإنجليزية في حرصها على قهر مصر وإذلالها.
وامتدت هذه الضجة إلى تناول مسألة كانت تتناول الوقت بعد الوقت في الصحف، ولكنها تنوولت هذه المرة بحدة لم يسبق لها نظير؛ ذلك أن الصحافة القبطية في مصر كانت تدافع دائما عن بطرس باشا وكانت تتهم الصحافة الإسلامية بالتعصب الديني في مهاجمتها إياه، وكانت النعرة الدينية قوية في ذلك الحين كما قدمنا؛ لذلك كانت العصبية الدينية تدفع الكتاب إلى حدود غير معقولة ولكن لها نظائرها حتى في أشد الأمم تحضرا، وأقرب هذه النظائر ما لا يزال يبدو الوقت بعد الوقت في صحافة الأمم المسيحية خاصا باليهود، وكانت بعض الصحف الإسلامية من جانبها لا تني عن مجاراة الصحف القبطية في هذا المضمار وسبقها، على أن ما وقفنا عليه من مصادر مختلفة أكثرها إسلامي يقنعنا بأن بطرس باشا لم يكن متعصبا لأبناء طائفته تعصب عداوة لأغلبية البلاد الدينية، يؤيد ذلك أنه لما أنشأ الجمعية الخيرية القبطية في سنة 1881 كان من بين الخطباء يوم افتتاحها الأستاذ الشيخ محمد عبده والشيخ محمد النجار وعبد الله نديم وغيرهم، وأنه كان بعد ذلك عظيم الوفاء لكثير من أصدقائه المسلمين متصل البر بكثير من العائلات الإسلامية.
من ذلك أنه كان أول من ذهب إلى المغفور له الشيخ سليم البشري على أثر إقالة الخديو إياه من مشيخة الأزهر يسأله ما يستطيع أن يقدمه له من خدمة، وكان كثيرا ما يقضي حاجات أفراد من المسلمين من غير أن تكون له بهم كبير معرفة، كما كان يصلهم صلة أبناء طائفته، على أن بره بأبناء طائفته أمر طبيعي، وخير ما سمعنا عنه في هذا أنه كان يتوافى للأقباط جميعا كما كان يتوافى لأفراد من المسلمين، وأنه هو الذي صنع الطائفة القبطية فرفعها من مستواها الضعيف الذي كانت فيه إلى مستوى أسمى منه بكثير، فالجمعيات القبطية والمدارس القبطية والمنشآت الخيرية القبطية يرجع الفضل في أكثرها له هو أكثر مما يرجع لأي شخص آخر، كما يرجع الفضل له في فتح أبواب الوظائف العامة للأقباط أسوة بالمسلمين.
واستمر يتابع - بالاتفاق مع المعتمد الإنجليزي - وضع النظام الجديد للهيئة النيابية المصرية، وقبل أن يتمه كي يصدر القانون به طلبت شركة قناة السويس من الحكومة المصرية مد امتيازها أربعين سنة أخرى بعد سنة 1969، وكانت الحكومة المصرية يومئذ مستعدة لقبول الطلب، لكن حركة الرأي العام المصري في هذا الشأن كانت قوية اضطر أولو الأمر معها أن يعرضوا المشروع على الجمعية العمومية المصرية وأن يعدوا بأن يكون رأيها فيه قطعيا، وفي أثناء نظر هذا المشروع بالجمعية وفي فرصة هياج الرأي العام وتوتر أعصابه، فكر إبراهيم ناصف الورداني في قتل بطرس معتبرا إياه خائنا لوطنه بسبب توقيعه اتفاقية السودان ورياسته محكمة دنشواي، روت «الجريدة» الصادرة في 21 فبراير سنة 1910 وصفا للحادث ما نصه: «بقي - الباشا - كذلك حتى كان يوم أمس نزل كعادته في جماعة من الموظفين، وعند باب نظارة الحقانية صافحهم وانصرف ومعه النائب العمومي، فما كاد يضع رجله على سلم عربته حتى أصابه الرصاص المتعاقب من غدارة شاب لعب الشباب برأسه وتصور ما تصور وتجسمت في نفسه الخيالات، فلم ترعه هيبة الوزير ولا وقار الشيخ ولا خوف العقاب ... أصابه الرصاص في العنق والكتف والبطن فخر صريعا، فحمل إلى أودة ناظر الحقانية ثم إلى مستشفى الدكتور ملتون، وهناك زاره سمو الخديو وجميع الوزراء والسير غورست والأمراء وأعيان الأمة وكلهم يرجون له الشفاء العاجل، فلما كانت الساعة السادسة عملت له عملية جراحية لإخراج الرصاصة الباقية، ولكن كانت - مع الأسف - قد نسفت الأمعاء ونفذت في صدر المعدة.»
وقضى - رحمه الله - في الساعة الثامنة والربع من صبيحة يوم 21 فبراير سنة 1910 ودفن في اليوم التالي في مشهد مهيب، واليوم ترقد رفاته في كنيسته القائمة على جانب شارع الملكة نازلي الذي كان من قبل شارع عباس.
نامعلوم صفحہ