تفسیر الجیلانی
تفسير الجيلاني
وإن جادلوا معك يا أكمل الرسل، وعاندوا بالفرار والتحصن ننجي من العدو وإهلاكه بحيث لا تبقى لهم يد علينا { قل } لهم يا أكمل الرسل على سبيل التبكيت والإلزام: { من ذا الذي يعصمكم } ويحفظكم ويحرزكم { من } قهر { الله } وعذابه { إن أراد بكم سوءا } أي: إصابة بلاء وشدة ومحنة { أو } من ذا الذي يمنع نعكم لطفه سبحانه إن { أراد بكم رحمة } عطفا ومحبة؟! { و } بالجملة: { لا يجدون } أولئك المتذبذبون المتضعفون { لهم } أي: لأنفسهم المراقب عليهم في جميع أحوالهم { من دون الله } يولي أمور تحصنهم وتحفظهم { وليا ولا نصيرا } [الأحزاب: 17] ينصرهم على أعدائهم، وبالجملة: جميع أعمال العباد وأفعالهم مفوضة إلى الله أولا وبالذات، مقهورة تحت قدرته الكاملة، فلهم أن يفوضوها إليه؛ ليسلموا من غوائل العناد والإصرار.
[33.18-20]
وإن اعتذروا بك، وتبرءوا عما كانوا وصاروا عليه، قل لهم: { قد يعلم الله } بعلمه الحضوري { المعوقين } المثبطين { منكم } عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، المتخلفين عنه في الحروب والمعارك، وهم المنافقون { و } يعلم أيضا { القآئلين } منكم أيها المنافقون من أهل المدينة { لإخوانهم } ممن في قلوبهم مرض من المؤمنين: { هلم إلينا } أي: قربوا أنفسكم نحونا؛ لتنجو عن المخاوف والمهالك { و } بعدما سمعوا منكم إخوانكم قولكم هذا { لا يأتون البأس } أي: الحراب والقتال { إلا قليلا } [الأحزاب: 18] أي: إتيانا قليلا، بل يثبطون ويسرفون، ويعتذرون بالأعذار الكاذبة.
وبعدما أتوا ما أتوا إلا { أشحة } أي: بخلاء { عليكم } أيها المؤمنون المخلصون لما معكم من المعاونة والنفقة في سبيل الله، أو خوف الظفر وفوت الغنيمة، أو من خوف العاقبة، وإنما فعلوا ذلك قبل القتال { فإذا جآء الخوف } وظهرت أمارات القتال والحراب { رأيتهم } أيها الرائي حين { ينظرون إليك } من شدة خوفهم وخشيتهم { تدور } أي: تتحرك وتضطرب { أعينهم } أي: آماقهم في أحداقهم { كالذي يغشى } أي: يحل ويدور { عليه من } أمارات { الموت } ولاح عليه علامات السكرات { فإذا ذهب الخوف } وزال الرعب والخشية، وانهزم العدو، واجتمعت الغنائم { سلقوكم } أي: جاءوكم مستلقين متسلطين عليكم { بألسنة حداد } ذربة قاطعة، باسطين أيديهم إلى الغنائم وقت قسمتكم، صائحين عليكم: لستم أولى منا وأحق بهذه الغنائم؛ لأنا شهدنا القتال معكم، بل نحن لا نقصر وأنتم قاصرون، فبم ترجحون أنتم علينا، وإنما سلقوكم بها حال كونهم { أشحة } بخلاء { على الخير } الذي وصل إليكم من الغنائم العظام؟!.
وبالجملة: { أولئك } البعداء الهالكون في تيه النفاق والشقاق { لم يؤمنوا } بتوحيد الله ، ولم يخلصوا الإيمان به وبرسوله وكتابه، بل: إنما آمنوا واعترفوا باللسان؛ لحقن الدماء والأموال خداعا ومكرا؛ ولذلك مكر الله المطلع على نياتهم بهم { فأحبط الله أعمالهم } الصالحة، وأبطلها عليهم بلا ترتيب الجزاء والمثوبات، كما لأعمال المخلصين من المؤمين { وكان ذلك } الإحباط والإبطال { على الله } القادر لجميع ما ثبت في لوح قضائه { يسيرا } [الأحزاب: 19] سهلا غير عسير عنده.
وإن استعسرتم أيها المحجوبون بالحجب الظلمانية الكثيفة، ومن كمال غيهم وضلالهم، ونهاية جبنهم ورعبهم من الأحزاب { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } ولم ينهزموا، مع أنهم ذهبوا منهزمين إلى حيث لم يبق منهم أحد { و } هم من كمال محبتهم ومودتهم مع الأحزاب { إن يأت الأحزاب } ويكروا بعد الفرار { يودوا } هؤلاء المنافقون إتيانهم إلى حيث تمنوا { لو أنهم بادون } ظاهرون { في } البدو { الأعراب } أي: فيما بينهم، خارجون عن أظهر المسلمين، لا حقون بالكفرة، معدودون من عدادهم حتى { يسألون } كل قادم من قبلكم { عن أنبآئكم } وأخباركم، وما جرى عليكم أيها المؤمنون من الوقائع الهائلة والمصيبات المهولة { و } من كمال ودادتهم مع الكفرة: { لو } فرض أنهم { كانوا فيكم } وقت كر الكفرة عليكم { ما قاتلوا } من المنافقين من قبلكم مع أعدائكم { إلا قليلا } [الأحزاب: 20] منهم، وهو أيضا على سبيل الرياء والسمعة، ومقتضى ما زعموا من جلب النفع أو دفع الضر، لا لرضاء الله وإعلاء دينه ونصرة نبيه.
[33.21-24]
ثم قال سبحانه تحريكا لحمية المؤمنين: { لقد كان لكم } أيها المؤمنون المخلصون، الطالبون التخلق بأخلاق الله، الهاربون عن أخلاق أعدائه { في رسول الله } المبعوث؛ لإرشادكم وإهدائكم { أسوة حسنة } أي: خصلة حميدة بديعة يجب التأسي والاتصاف بها { لمن كان يرجوا الله } أي: لقاءه ومطالعة وجهه الكريم { و } يرجو أيضا { اليوم الآخر } الموعود يه هذه الكرامة العظيمة، وبواسطة هذا الرجاء وغلبة هذه الأمنية العظيمة في خاطره { وذكر الله كثيرا } [الأحزاب: 21] في عموم الأعيان والأحياز؛ لتلذذه بذكره سبحانه؛ حتى ينال ما وعد من الفوز بشرف اللقاء، ومن كان كذلك، وهمه ذلك فهو مؤتس بالرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الخصلة المحمودة، والديدنة المسعودة المقبولة عند الله التي هي الرضا بجميع ما جرى عليه من القضاء.
ومن علامات الثبات على العزيمة، وتحمل الشدائد، ومقاساة الأحزان، وارتكاب المتاعب والمشاق في إعلاء دين الله وكلمة توحيده، والتوكل نحوه في الضراء والسراء، وكظم الغيظ عند هجوم الغضب، والعفو عند القدرة وغير ذلك من الخصائل الحميدة والأخلاق الجميلة المرضية { و } من شدة تأثير هذه الخصائل الجميلة في قلوب المؤمنين { لما رأى المؤمنون } المخلصون { الأحزاب } حواليهم { قالوا } متذكرين لوعد الله، متثبتين على دينه، متشمرين لإعلاء كلمة توحيده: { هذا } الوقت وقت إنجاز { ما وعدنا الله ورسوله } من النصر والغلبة على الأعداء، والفوز بأنواع الغنائم والعطاء عاجلا وآجلا بقوله سبحانه:
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم...
نامعلوم صفحہ