قلبه طروب! وهذا الحزن الصديق؟ والرماد المتخلف من محترق الآمال؟ لم يبق للملول إلا الامتلاء بالخمر، في هذه الصالة أو في تلك الحجرة إذا جاءت التي تداوي ابنها، هو وهي في موضع واحد من الحياة، حياة من لا حياة لهم. - أخشى ألا تجيء عطية؟ - ستجيئ حتما، أليس المرض في حاجة إلى النقود!
يا له من جواب! بيد أنها لم تمكنه من التفكير إذ مالت نحوه في اهتمام، ونظرت إليه مليا، ثم قالت بصوت منخفض: لم يبق إلا أيام! فقال دون أن يدرك حقيقة مرادها: ربنا يطول عمرك ولا يحرمني منك!
فقالت باسمة: سأهجر هذه الحياة!
فانتصب نصفه الأعلى في دهشة وهتف: ماذا قلت؟!
فضحكت ثم قالت بلهجة لم تخل من سخرية: لا تخف، ستذهب بك عطية إلى بيت آمن كهذا البيت. - ..؟! - ولكن ماذا حدث؟ - كبرت يا ابن أخي، وأغناني الله فوق حاجتي، وبالأمس ضبط بيت قريب وسيقت صاحبته إلى القسم، حسبي، إني أفكر في التوبة، ينبغي أن أقابل ربي على غير ما أنا عليه!
أتى على بقية كأسه، وملأه، ثم قال وكأنما لم يصدق ما سمعه: لم يبق إلا أن تستقلي السفينة إلى مكة! - ربنا يقدرني على فعل الخير ..
وتساءل ولما يفق من دهشته: أجاء هذا كله فجأة؟ .. - كلا، إني لا أبوح بسر إلا عند العمل، طالما فكرت في هذا من زمن .. - جد؟! - كل الجد، ربنا معنا! - لا أدري ماذا أقول، ولكن ربنا يقدرك على فعل الخير. - آمين ..
ثم ضاحكة: ولكن اطمئن فلن أغلق هذا البيت حتى أطمئن على مستقبلك!
فضحك ضحكة عالية وقال: هيهات أن أجد بيتا أرتاح فيه كهذا البيت؟ - لك علي أن أوصي بك البدرونة الجديدة ولو كنت في مكة! - كل شيء يبدو مضحكا ولكن الخمر ستظل قبلة المحزون، وتتغير الأوضاع فيعلو فؤاد جميل الحمزاوي ويسفل كمال أحمد عبد الجواد، ولكن الخمر ستظل بشاشة المكروب، ويوما يحمل كمال رضوان على كتفه ليدلله ثم يجيء يوم فيحمل رضوان كمال ليقيله من عثرته ولكن الخمر ستظل نجدة الملهوف، وحتى الست جليلة تفكر في التوبة في الوقت الذي يبحث هو عن ماخور جديد ولكن الخمر ستظل المأوى الأخير، ويمل السقيم كل شيء حتى يمل الملل ولكن الخمر ستظل مفتاح الفرج. - يسعدني أن أسمع عنك دائما ما يسر. - الله يهديك ويسعدك .. - إذا كان وجودي يضايقك ...؟
وسدت فاه بأصبعها وقالت: سامحك الله، هذا بيتك ما دام بيتي، وكل بيت أحل فيه فهو بيتك يا ابن أخي ..
نامعلوم صفحہ