ساد صمت كئيب تبادلا فيه نظرات باسمة وحزينة حتى قطعت الصمت قائلة: كان شخصا غريبا ولكنه عرف في الحي بالقوة والبهاء والتدين وحب العزلة، وبالتضحية بمسراته في سبيل وحيده، الله يرحمه على أي حال، أليس عجيبا أن ينحدر من صلبه رجل مثلك آية في الكرم والاتزان وحسن الخلق؟!
ارتجف باطنه برعدة قاسية. غشي خياله الظلام الذي أخفى الوحش والفريسة، وتجسدت لعينيه نواياه القديمة بأنيابها ومخالبها. وتساءل بفتور: ألا يحق لي بعد ذلك أن أكره ذكراه؟
فقالت ضاحكة: كلا، لا تنس أنه وهبك الحياة والمال، ولكن ألم يخالط قلبك في حياته أثارة من عاطفتك الرافضة؟ - كان برمي به شديدا متواصلا، ولكني أحببته دائما، ولم يكن من الممكن أن تتسلل إلى باطني عاطفة أخرى؛ لأنه كان يعيش في باطني أيضا، في تلافيف مخي ونبضات قلبي وأحلامي، كان الخوف يكمن هناك كالديدبان ...
قالت متنهدة: كان أبي شيخا ولكنه كان ذا عقلية متفتحة، ربما كان يفضل أن يعدني للبيت، ولكنه حين آنس مني تعلقا بالتعلم سمح لي بالاستمرار فيه، دخلت الجامعة أيضا دون معارضة تذكر، وعلمني ديني أحسن تعليم فكرست حياتي للعلم باعتباره قراءة جديدة لدنيا الله ...
فقال بحذر: كثيرون ألحدوا بسبب العلم ... - لا دخل للعلم في ذلك، الإلحاد عجز عن النظر. - على أي حال كان أبي رجلا من صنف آخر، كان جاهلا ومتعجرفا وقد وجد في الشكل مبتغاه، وكان يمقت المناقشة ويقاتل التساؤل البريء، كان يلاحقني من الصباح الباكر حتى النوم بالأوامر والتعليمات والمراقبة ... - ألا يشفع له عندك حسن نيته؟
فقال بامتعاض: كلا. - أكان كذلك في حياة المرحومة والدتك؟ - ذكرياتي عن أمي قليلة، أجل كانا يختلفان كثيرا، وكانت هي عصبية مستعدة دائما للتمرد والتهديد بهجر البيت، وكان ينبغي أن أتعلم منها ولكنه نجح في استعبادي، تارة بالعنف، وتارة بإقناعي بأن أي استهانة بأوامره هي خروج عن إرادة الله المتعالي، ولو أنني تمردت عليه حقا لضمنت لنفسي حياة أفضل. - حياتك مقبولة جدا.
فقال مضمنا كلامه تنبيها لها: كانت حياتي لعنة ولكنها لم تخل من عبرة، فقد علمتني أن أتجنب الاستبداد بالغير، واحترام الآخرين فكرا وعقيدة، علمتني ألا أعتبر نفسي مقياس الخير والشر في الوجود!
وتساءل في باطنه ترى هل أحسن الدفاع عن نفسه؟!
6
مضى من الخريف ثلثاه وتشبع هواء الليل ببرودة مستقرة، من مجلسهما وراء الزجاج المغلق يرى البستاني نهارا وهو يكنس الأوراق المتساقطة، وتلوح في السماء سحائب بيضاء وهي تهدهد الشعاع الذهبي. فتحية تملأ الفيلا بحركاتها الرشيقة. ما أشد الفارق بين الكيميائية المتدينة من الأنثى الدافئة! إنه لتناقض يذكره بالتناقضات التي تمزقه. بوسعه دائما أن يهاجم أو أن يدافع عن أي رأي أو مذهب أو عقيدة، الحجج السالبة تعادل عنده الحجج الموجبة، ولكن لا أحد من أصدقائه يأخذ حديثه مأخذ الجد، فهم يعرفون تماما أن قلبه ينبض في خواء. وهو يرى في زوجته نساء كثيرات، ثمة فتحية ذات الرداء الأبيض العاملة في المعمل، وفتحية المؤمنة المتطرفة، وفتحية الفراش الباهرة، أيهن أصدق؟ فتحية الغريزة أم فتحية المؤسسات؟!
نامعلوم صفحہ