100

شیطان یعظ

الشيطان يعظ

اصناف

هيهات أن يخطر لها أن يسري أحمد هو من قادة الإلحاد. لم يجد صعوبة في زعزعة إيمانه فقد صادف فيه متوثبا للتمرد على أبيه، كما وجده سريع الانقياد كما طبعه أبوه. أجل خاض تجربة مرعبة معذبة ثم سرعان ما وجد نفسه في كون بلا إله ولا حدود. وكان يسري رغم إلحاده ذا خلق متين، وطالما قال له: «النبل أن نعيش كما ينبغي لنا دون أمل.» وقد حفظ ذلك القول وردده كثيرا. حتى حيال أقرب الناس إليه - عبد الباري، وهدان، عدلي - أسدل على وجهه القناع. أما الحقيقة فهي أنه لم يستطع أن يلتزم بالنبل فقتل ثم ارتكب ما هو أفظع من القتل. ولم يتركه ضميره بلا عقاب. وعجب لتطفل ضميره الذي رسب في باطنه منذ العهد القديم. آية على ضعفه وجبنه. عندما يتحرر منه تماما يبلغ الصدق المنشود. سأله عبد الباري: «لماذا تركز على السلبيات؟ هذا ما يقتل أي معنى للوجود.» الحق أن إفرازات الإنسان وغرائزه هي عقدته؛ لذلك هان عليه أن يكفر بمؤسساته فيراها هياكل خاوية وهمية. إنه يطوي أسراره في صدره أما فتحية فتتحدث عن الصحابة قائلة: كانت أغلبيتهم من الشباب، ما أكثر من استشهد منهم، كانوا يعشقون الموت!

ويقول لها بعقل شارد: هكذا المؤمنون ...

الإنسان يفوق الحيوان في شهوة القتل فيقتل نفسه أيضا. وهذه الزوجة المحبوبة لا تخلو من شعرة جنون. كم تبدو مطمئنة متألقة كما يجدر بخليفة الله في أرضه. بقدر ما يسخر منها فإنه يوشك أن يحسدها. التناقض دائما وأبدا. كما مزقه أمام كل شيء. حتى الانعدام الكلي للمعنى لم يمحق متناقضاته. أما فتحية فإنها لا تردد الشعارات فحسب ولكنها تصدقها وتؤمن بها. كيف يستمر التعامل معها؟ إنه حريص جدا على ألا تتبدد سعادته وهما من الأوهام.

8

هلت بشائر الأمومة. والأبوة أيضا. صادف ذلك أوائل الشتاء وأياما ممطره. راحت فتحية تحسب الزمن وقالت: سألد في سبتمبر، شهر مناسب للولادة.

فقال بحبور: بالسلامة.

لاح في وجهها ذبول طارئ. أعقب ذلك فتور في العواطف. وهدان المتجلي أخبره أن ذلك يحدث كثيرا ولا يخلو من فائدة. قال له ساخرا: «إنه تغير له معنى ككل شيء.» اقتنع هو بأن متاعب الذرية تقع حال تخلقها في الأرحام. رمق الأمومة بأمل أن تشغل بها عن تربيته هو وتربية المجتمع الحديث. إنها جديرة بهذا الختام السعيد. هنيئا له انتزاعها من الرهبنة والجفاف. لقد فسر رهبنتها القديمة على أساس خاطئ. تذكر موقفا لا يمكن أن ينسى. ثمة تصرفات تهز النفس بنبلها حتى النفس الخاوية. احتسيا القرفة في حجرة المعيشة وهما يشاهدان مسلسلة تلفزيونية. بات البار خاويا من قوارير الويسكي. عيناها السوداوان هادئتان متعبتان. إنها سعيدة ولا شك وتؤمن بأنه نبيل أمين. ما يزعجه حقا أنها تحب «الممثل» لا الشخص الحقيقي. الممثل رجل نبيل أمين مثقف لا عيب فيه إلا أنه مؤمن سلبي كغالبية المؤمنين في هذه الأيام. لكنه ممثل، شخص آخر، ولو عرفت الشخص الحقيقي لولت تقززا. هي ليست من النوع الذي يحب الجسد وحده. ليست من النساء اللاتي يحببن اللصوص والبرمجية والقتلة. إنها تحب بروحها وجسدها معا. سلت حب يسري أحمد لتقع في حب رجل وهمي. أما هو فلم يبرح موقعه القديم. موقع العاشق الخائب. موقع المحب من جانب واحد. ما زال يغتصبها ساعة بعد أخرى ويخدعها يوما بعد يوم. لقد فقد معاني الأشياء، ولكنه طمح إلى الحب باعتباره معنى مستغنيا بذاته، وهو حريص على ألا يلحق بالأوهام. ممكن أن نجد في الحب والزواج والذرية معنى محليا يستغاث به. غاب عن التلفزيون فتذكر الموقف المثير. حين دعته إلى لقاء مفاجئ بحديقة الأمازون. عقب عدولها عن الرهبنة وقبل إعلان الخطوبة. كان سعيدا باللقاء فوق البساط الأخضر. راح يعلن خططه عن الخطوبة والزواج حتى لاحظ أنها ليست موجودة معه. فسألها: ما لك يا فتحية؟

فقالت بوجوم: كان يمكن أن تمضي الأمور في طريقها المرسوم بلا كدر. - وهي ماضية كذلك فأي كدر تقصدين؟ - إني أرفض الخداع وأمقت الكذب ولست نهازة للفرص بأي ثمن.

فقال بضراعة: لا تتركيني للحيرة.

فتريثت قليلا مكفهرة الوجه ثم قالت: يوجد في حياتي سر لا يجوز أن تجهله.

نامعلوم صفحہ