شرح نهج البلاغة
شرح نهج البلاغة
تحقیق کنندہ
محمد عبد الكريم النمري
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن نمبر
الأولى
اشاعت کا سال
1418 ہجری
پبلشر کا مقام
بيروت
والحمد لله الذي من ينكره . . . فإنما ينكر من يصوره | وأما قوله : الذي لا يدركه ، فيريد أن همم النظار وأصحاب الفكر وإن علت وبعدت فإنها لا تدركه تعالى ؛ ولا تحيط به . وهذا حق ، لأن كل متصور فلا بد أن يكون محسوسا ، أو متخيلا ، أو موجودا من فطرة النفس ، والاستقراء يشهد بذلك . مثال المحسوس السواد والحموضة ، ومثال المتخيل إنسان يطير ، أو بحر من دم . مثال الموجود من فطرة النفس تصور الألم واللذة . ولما كان البارئ سبحانه خارجا عن هذا أجمع لم يكن متصورا .
فاما قوله : الذي ليس لصفته حد محدود ، فإنه يعني بصفته ههنا كنهه وحقيقته ، يقول : ليس كنهه حد فيعرف بذلك الحد قياسا على الأشياء المحدودة ، لأنه ليس بمركب ، وكل محدود مركب .
ثم قال : ولا نعت موجود ، أي ولا يدرك بالرسم ، كما تدرك الأشياء برسومها ، وهو أن تعرف بلازم من لوازمها وصفة من صفاتها .
ثم قال : ولا وقت معدود ولا أجل ممدود ، فيه إشارة إلى الرد على من قال : إنا نعلم كنه البارئ سبحانه لا في هذه الدنيا بل في الآخرة ، فإن القائلين برؤيته في الآخرة يقولون : إنا نعرف حينئذ كنهه ، فهو عليه السلام رد قولهم ، وقال : إنه لا وقت أبدا على الإطلاق تعرف فيه حقيقته وكنهه ، لا الآن ولا بعد الآن ؛ وهو الحق ؛ لأنا لو رأيناه في الآخرة وعرفنا كنهه لتشخص تشخصا يمنع من حمله على كثيرين ، ولا يتصور أن يتشخص هذا التشخص إلا ما يشار إلى جهته ، ولا جهة له سبحانه . وقد شرحت هذا الموضع في كتابي المعروف بزيادات النقيضين ، وبينت أن الرؤية المنزهة عن الكيفية التي يزعمها أصحاب الأشعري لا بد فيها من إثبات الجهة ، وأنها لا تجري مجرى العلم : لأن العلم لا يشخص المعلوم ، والرؤية تشخص المرئي ، والتشخيص لا يمكن إلا مع كون المتشخص ذا جهة .
واعلم أن نفي الإحاطة مذكور في الكتاب العزيز في مواضع ، منها قوله تعالى : ' ولا يحيطون به علما ' ، ومنها قوله : ' ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ' ، وقال بعض الصحابة : العجز عن درك الإدراك إدراك ؛ وقد غلا محمد بن هانئ فقال في ممدوحه المعز أبي تميم معد بن المنصور العلوي :
أتبعته فكري حتى إذا بلغت . . . غاياتها بين تصويب وتصعيد
رأيت موضع برهان يلوح وما . . . رأيت موضع تكييف وتحديد
وهذا مدح يليق بالخالق تعالى ، ولا يليق بالمخلوق .
فأما قوله : فطر الخلائق . . . ، إلى آخر الفصل ؛ فهو تقسيم مشتق من الكتاب العزيز ؛ فقوله : فطر الخلائق بقدرته ، من قوله تعالى : ' قال من رب السموات وما بينهما ' ، وقوله : ونشر الرياح برحمته ، من قوله : ' يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته ' .
صفحہ 43