334

مروج الذهب ومعادن الجوهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم أن لا تخبونا ثم عصر فضلات درعه في محزمه يريد منطقته ودفع فرسه إلى غلام له أسود كأني والله أنظر إلى فلافل شعره، ثم زحف كل واحد منهما إلى صاحبه، وكف الفريقان أعنة الخيول ينظرون ما يكون من الرجلين، فتكافحا بسيفيهما مليا من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لامته، إلى أن لحظ العباس وهنا في درع الشامي فأهوى إليه بيده وهتكه إلى ثندؤته، ثم عاد لمحاولته، وقد أخرج له مفتق الدرع، فضربه العباس ضربة انتظم بها جوانح صدره، فخر الشامي لوجهه، فكبر الناس تكبيرة ارتخت لها الأرض من تحتهم، وانساب العباس في الناس، فإذا. قائل يقول من ورائي: " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين " الآية فالتفت فإذا بعلي رضي الله عنه، فقال: يا ابن الأغر، من المبارز لعدونا؟ قلت: ابن أخيكم العباس بن ربيعة، قال وإنه لهو العباس. قلت: نعم، فقال: يا عباس، ألم أنهك وعبد الله بن عباس أن تحلا بمركز أو تبارزا أحدا. قال: إن ذلك كما قلت، قال علي: فما عدا مما بدا. قال: أفأدعى إلى البراز فلا اجيب؟ قال: طاعة إمامك أولى بك من إجابة عدوك، وتغيظ واستطار ، ثم تطامن وسكن ورفع يديه مبتهلا، فقال: اللهم اشكر للعباس مقامه، واغفر ذنبه، اللهم إني قد غفرت له فاغفر له، وتأسف معاوية على عرار بن أدهم، وقال: متى ينطق فحل بمثله أبطل دمه! لاها الله، ألا رجل يشري نفسه يطلب بدم عرار، فانتدب له رجلان من لخم من أهل البأس ومن صناديد الشام، فقال: أذهبا فأيكما قتل العباس فله مائة أوقية من التبر ومثلها من اللجين وبعددهما من برود اليمن، فأتياه فدعواه إلى البراز، وصاحا بين الصفين: يا عباس يا عباس، ابرز إلى الداعي، فقال: إن لي سيدا أريد أن أؤامره، فأتى عليا وهو في جناح الميمنة يحرض الناس، فأخبره الخبر، فقال علي: والله لود معاوية أنه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلا طعن في بطنه إطفاء لنور الله " ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون " أما والله ليملكنهم منا رجال ورجال يسومونهم سوم الخسف حتى تعفو الآثار، ثم قال: يا عباس، ناقلني سلاحك بسلاحي، فناقله، ووثب على فرس العباس، وقصد اللخميين، فلم يشكا أنه العباس، فقالا له: أذن لك صاحبك. فتحرج أن يقول نعم، فقال: " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير " .

وكان العباس أشبه الناس في جسمه وركوبه بعده، فبرز له أحدهما فما أخطأه، ثم برز له الاخر فألحقه بالأول، ثم أقبل وهو يقول " الشهر الحرام بالشهر الحرام، والحرمات قصاص، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " ثم قال: يا عباس، خذ سلاحك وهات سلاحي، فإن عاد لك أحد فعد لي، ونما الخبر إلى معاوية فقال: قبح الله اللجاج إنه لعقور ما ركبته قط إلا خذلت، فقال عمرو بن العاص: المخذول والله اللخميان، والمغرور من غررته، لا أنت المخذول، قال: اسكت أيها الرجل فليس هذا من شأنك، قال: وإن لم يكن، رحم الله اللخميين، ولا أراه يفعل، قال: ذلك والله أضيق لحجتك، وأخسر لصفقتك، قال: قد علمت ذلك، ولولا مصر وولايتها لركبت المنجاة منها، فإني أعلم أن علي بن أبي طالب على الحق وأنت على ضده، فقال معاوية: مصر والله أعمتك، ولولا مصر لالذيتك بصيرا، ثم ضحك معاوية ضحكا ذهب به كل مذهب، قال: مم تضحك يا أمير المؤمنين، أضحك الله سنك. قال: أضحك من حضور ذهنك يوم بارزت عليا، وإبدائك سوأتك، أما والله يا عمرو لقد واقعت المنايا، ورأيت الموت عيانا، ولو شاء لقتلك، ولكن أبى ابن أبي طالب في قتلك إلا تكرما، فقال عمرو: أما والله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فاحولت عيناك وبدا سحرك وبدا منك ما أكره ذكره لك، فمن نفسك فاضحك أودع.

صفحہ 356