مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
ومما جرى بين معاوية وبين قيس بن سعد بن عبادة حين كان عاملا لعلي على مصر فكتب إليه معاوية: أما بعد، فإنك يهودي ابن يهودي، إن ظفر أحب الفريقين إليك عزلك واستبدل بك، وإن ظفر أبغضهما إليك نكل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر قوسه، ورمى غرضه، فأكثر الحز وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، ثم مات بحوران طريدا.
فكتب إليه قيس بن سعد: أما بعد، فإنما أنت وثني ابن وثني، دخلت في الإسلام كرها ، وخرجت منه طوعا، لم يقدم إيمانك، ولم يحدث نفاقك، وقد كان أبي أوتر قوسه، ورمى غرضه، فشعب به من لم يبلغ عقبه، ولا شق غباره، ونحن أنصار الدين الذي منه خرجت، وأعداء الدين الذي فيه دخلت.
ودخل قيس بن سعد بعد وفاة علي ووقوع الصلح في جماعة من الأنصار على معاوية، فقال لهم معاوية: يا معشر الآنصار، بم تطلبون ما قبلي؟ فوالله لقد كنتم قليلا معي كثيرا علي، ولضللتم حدي يوم صفين حتى رأيت المنايا تلظى في أسنتكم، وهجوتمونى في أسلافي بأشد من وقع الأسنة، حتى إذا أقام الله ما حاولتم ميله قلتم: ارع فينا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، هيهات يأبى الحقين العذرة، فقال قيس: نطلب قبلك بالإسلام الكافي به الله، لا بما تمت به إليك الأحزاب، وأم عداوتنا لك فلو شئت كففتها عنك، وأما هجاؤنا إياك فقول يزول باطله، ويثبت حقه، وأما استقامة الأمر فعلى كره كان منا، وأما فلنا حدك يوم صفين فإنا كنا مع رجل نرى طاعته طاعة لله، وأما وصية رسول الله بنا فمن آمن به رعاها بعده، وأما قولك يأبى الحقين العذرة فليس دون الله يد تحجزك منا يا معاوية، فقال معاوية يموه : أرفعوا حوائجكم.
من مناقب قيس بن سعد
وقد كان قيس بن سعد من الزهد والديانة والميل إلى علي بالموضوع العظيم، وبلغ من خوفه الله وطاعته إياه أنه كان يصلي فلما أهوى للسجود إذا في موضع سجوده ثعبان عظيم مطوق، فمال عن الثعبان برأسه، وسجد إلى جانبه، فتطوق الثعبان برقبته، فلم يقصر من صلاته ولا نقص منها شيئا، حتى فرغ، ثم أخذ الثعبان فرمي به، كذلك ذكر الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا.
وقال عمرو بن العاص لمعاوية ذات يوم: قد أعياني أن أعلم أجبان أنت أم شجاع، لأني أراك تتقدم حتى أقول: أراد القتال، ثم تتأخر حتى أقول: أراد الفرار، فقال له معاوية: والله ما أتقدم حتى أرى التقدم غما، ولا أتأخر حتى التأخر حزما، كما قال القطامي.
العباس بن ربيعة
وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى عن أبي الأغر التيمي، قال: بينا أنا واقف بصفين إذ مر بي العباس بن ربيعة مغفرا بالسلاح، وعيناه تبصان من تحت المغفر كأنهما شعلتا نار أو عينا أرقم، وبيده صفيحة له يمانية يقلبها، والمنايا تلوح في شفرتها، وهو على فرس صعب، فبينا هو يبعثه ويمنعه ويلين من عريكته إذ هتف به هاتف يقال له عرار بن أدهم من أهل الشام يا عباس، هلم إلى النزال، قال: فالنزول إذا، فإنه آيا من الحياة، فنزل إليه الشامي وهو يقول:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل
وثنى العباس وركه وهو يقول:
صفحہ 355