قال أبو محمد: وهذا المعنى مما عكسه ابن الجهم من قول أبي العتاهية:
وراياتٍ يحُلّ النّصْر فِيها ... كأنَّ زُهاءها قِطع السَّحابِ
فجعلها أبو العتاهية في رايات منصورة وجعلها ابن الجهم في مهزومة.
قال أبو محمد: وهذا من لطف صياغة الشاعر وفطنته أن يجعل الشيء مدحًا ويعكسه في ذم.
قال أبو محمد: وقد قدمت لك من هذه الأقسام ما تقوى به معرفتك بنقد الشعر فائقه ومقصره، وأطلعتك على سرائر رذله ومتخيره لتفاضل بين الشعراء بأصل وتنطق بعدل. ثم قد حسن الآن أن أورد ما قدمت الوعد به من شرح ما أخذه أبو الطيب، ولا أشرح إلا ما يقع فيه المعنى الذي لو كان له وقع بمثله وجماله، وحسن به مقاله أو ما قارب ذلك، فأمّا الأبيات الفارغات والمعاني المكررات المرددات فإني لا أشتغل بإيرادها ولا أطيل الكتاب باعتمادها ولكني أخاف أن يظن بنا غفلة عنها لا التجاوز لها فاحتاج إلى إيراد شيء من ذلك خوفًا مما ذكرت لك ولا يكون في غاية الفراغ من معنى يتعلق به، فإذا كان أبو الطيب يسهل عليه أخذ غير فائق ولا رائق لم يغفل عمّا اهتم به على أني لا أذكر المعاني التي قد كثّرت الشعراء استعمالها وواصلت استبدالها وصار موردها قد حصل له أسم السارق ولم يظفر بمعنى فائق، وذلك كتشبيه الوجه بالبدر، والريق بالخمر والمسك والماء الزلال، والقد بالغصن، وما أشبه ذلك من المتكرر المتردد