161

مذكرات الشباب

مذكرات الشباب

اصناف

مصاب العائلة نتيجة من نتائج التشريع الحاضر وما تركه من الأثر في النفوس بالزمان الطويل، واعتقاد الناس أن هذا التشريع قضاء من الله نازل بهم، فواجبهم أن يشكلوا أنفسهم بشكله حتى يقدروا على احتماله، ومع أن هذا الاعتقاد غير صحيح؛ إذ القوانين التي تحكمنا اليوم هي قضاء أبي حنيفة وأصحابه ومن تبعه وأحكام الولاة وذوي السلطة، فقد بقي راسخا في نفس الكثيرين، ولا يزال من الناس من يؤمن بأن تغييره تغيير لما أنزل الله، وإن تغييره إلا تغيير ما قال أبو حنيفة أو أحد أصحابه ممن عاصره أو جاء من بعده.

أما التشريع الذي نقترح وضعه فمع تمشيه مع أصول الشريعة ومع موافقته لأقوال جماعة من الفقهاء، فهو رغما عن أنه خطوة ضيقة جدا في طريق سيرنا يفتح لنا بابا نسير منه بالفرد وبالعائلة إلى السعادة التي ننشدها، ويقف حائلا دون أضرار شتى وفساد كبير مما هو ناتج عن التشريع الحاضر، كما أن له فضيلة أنه نتيجة قريبة عن هذا التشريع الحاضر، ماذا عملنا نحن؟ شيئا بسيطا جدا، حددنا وقوع الطلاق بالحد المعقول من النية والإرادة وعلم الشخص الثاني به، وكل تلك الحدود توجد في العقود كلها وفي التصرفات من أي نوع كانت؛ فإنه إن فرضنا وتم عقد بيع مثلا، ثم أراد المتعاقدان فسخه أو الرجوع فيه، لم يصح رجوع من أيهما إلا إذا نواه وأخبر به الآخر، وغاية ما في الأمر أن لم نجعل رضى أيهما هنا واجبا؛ لأن هذا الرجوع يتعلق بالحرية الشخصية، وكل ما تعلق بها لا يكون فيه إلزام أو جبر، إلا أن يحكم القاضي بالتعويض على الراجع، وأقرب العقود شبها بعقد الزواج ويعطينا معنى منه كاملا عقد إجارة الأشخاص وكل العقود الشخصية، فلو حصل واتفقت مع آخر أن يبني بيتا ثم امتنع، لم يكن في طوق أحد ولا القاضي ولا غيره أن يجبره عليه، وإنما ينفذ على ماله التعويض الذي يحكم لي به.

وأعطينا المرأة حق طلاق نفسها في أحوال شتى، لم تتقدم بكثير عن القانون الموجود اليوم، إنه يسمح لها أن تشترط لنفسها حق الطلاق في العقد، فنقلنا نحن أحوالا محددة وجعلناها بدل أن نشترطها في العقد تكون لها من غير شرط؛ على هذا فعملنا الذي نريد اليوم ليس هدم الحاضر ولكن تعديله تعديلا بسيطا.

مع بساطة هذا التعديل فإنه سيفتح لنا بابا تسير منه العائلة للسعادة؛ ذلك أن يخرج الزوجية من أن تكون الحياة المملوءة بالأنانية، والكبرياء من جهة الرجل والتذلل والخضوع من جهة المرأة إلى حياة يخالطها شيء من الحب المتبادل والشرف والمساواة إلى حد ما، ويرفع بذلك حتما من نفوس الجميع إلى شيء من العزة، ويعطيها من الحرية ما تعرف معه كيف تطعم العيش السعيد.

محال أن يكون لحياة العائلة قيمة ما دامت المرأة تحس من جانبها بالضعف المطلق؛ لأنها تصرف وقتها إذ ذاك لا في تربية أبنائها تربية حسنة حرة ولا في تنظيم بيتها تنظيما اقتصاديا وجميلا معا، ولا في العمل لعزاء زوجها عما قد يصيبه، ولكنها تصرفه في الجهاد للوصول إلى الطريق التي تملك منها على الرجل كل وجوده، ويكون لها عليه من السلطة مقدار ما له عليها، وتصبح الحياة المتبادلة بينهما لا حياة هناء مشترك يتذوقان لذتها معا مسرورين بوجودها، ولكن حياة جهاد من جانب المرأة أن تجمع في يدها قوة تعدل ما وضع القانون في يد الرجل وحياة، تخبط من جهة الرجل في أمر زوجه وحياة شر وفساد من جانبهما معا.

لكن إذا حققنا لهما شيئا من المساواة مهما كانت جزئية، وجعلنا الزوج يشعر بوجوب احترام زوجته، وجعلناها تشعر هي من جانبها أنها عزيزة الجانب؛ لم يبق هناك من حاجة لما ترمي به اليوم، وبحق أغلب الأحيان، من المكر بزوجها وقياده إلى حيث تريد هي بطرق شيطانية لا يعرفها هو ولا يعرفها أمثاله، ولكنما يقف على دقاقها من عليه من الضغط الشديد مبلغ ما هو واقع على رأس المرأة.

والواقع أنه كلما تساوت حقوقهما أمام القانون كلما كانا أقرب للسعادة، ولكنا لا نطلب ذلك اليوم، لا نطلب للمرأة أن تطلق الرجل متى شاءت لأن الاجتماع الحاضر عندنا لا يساعد عليه ولا ينصح به، وليته كان ممكنا فكنا طلبناه ولكنه غير ممكن.

يقول أقوام إن هذه المساواة غير معقولة مطلقا؛ لأن طبيعة المرأة غير طبيعته، وإن بينها وبينه من الفروق في الوظائف الاجتماعية ما يجعلنا نجزم بوجوب التفريق، وأن نزيد في حقوقه على حقوقها، ولا أناقش مطلقا في أن بين الجنسين فرقا، ولكني أقول إنه مهما يكن الفرق فلا يدعو للتفرقة بينهما في التشريع ... هل نفرق نحن بين الغني والفقير أو بين القوي والضعيف أو بين العامل والكسلان أو بين العالم والجاهل، أو أنا نقول إن الناس جميعا متساوون أمام القانون، وتخالفهم في الطبقات والدرجات والأشكال لا يبرر مطلقا إيجاد تفاوت بينهم من الوجهة القانونية.

أو أنه يخلق فروقا؛ لأن الطبيعة وضعت الرجل في مركز غير الذي وضعت فيه المرأة؟ ما أشبهه إذ ذاك بالرومان والأقدمين ممن كانوا يحكمون العامة بقوانين غير التي تحكم الخاصة، وإذا كان اليوم الذي تساوى فيه جميع الرجال جاء قبل اليوم الذي يتساوى فيه جميع الناس؛ فليس ذلك لأن هذا اليوم الثاني غير آت، ولكن لأن اليوم الأول وجد أنصارا قبله.

كل ذلك نقوله مع اعتقادنا أن الزمان الآتي هو الذي سيحققه، وأما طلبنا اليوم فهو محصور في المواد التي قدمنا ذكرها والتي نظن أنها أقوى الضمانات في الحاضر لسعادة الفرد والعائلة، وبالتالي لسعادة المجموع.

نامعلوم صفحہ