وكانت لحظة غريبة عندما تقدم البارون كريستوف مع ابنته ليقدمها إلى جلالته، كانت السيدة البرنسيس واقفة بجلال خلفه قليلا، فتقدمت الفتاة وهي تلبس ملابس العرس البيضاء، وقد كللت شعرها بزهور الكاميليا الناصعة، إلى خطيبها الملكي لتؤدي نحوه واجب التحية الجليلة، وبدت في عينيهما نظرة غريبة عندما شاهد كل منهما الآخر، والحق أنه قد بدا على وجه الفتاة أوضح تعبير للفرح العظيم؛ فقد بان عليها كأنما قد حبتها السعادة دفعة واحدة بأوفر قسط منها، ولاحظ الجميع على وجه جلالته الجميل دلائل الحب تنطق بأجلى بيان، ولقد كان غريبا لدى من عرفوا أن هذه كانت أول مقابلة للعروسين أن يجدوا هذا التوافق الكامل وهذه المحبة العظيمة بينهما من أول نظرة.
وانحنت الآنسة كريستوف بعمق أمام جلالته، فأخذ بيدها اليسرى ثم قبل أطراف أصابعها، ثم وضع خاتم الخطبة في أصبعها دون أن ينطق بكلمة غير نظرة حب عميقة، وألقى بذراعه حولها ثم قبلها في جبينها، وكان من الصعب أن يعثر الإنسان على عين لم تدمع في الحجرة لدى رؤية هذا المنظر الجميل الجليل.
وبدأ جلالته الحديث مع الآنسة كريستوف، وبعد قليل اشتركت معهما السيدة البرنسيس، ثم الكونت فريزن، وسرعان ما أصبح الحديث عاما في الحجرة، ثم انضم إليهم عمدة بادن بادن وكذلك وكيل قنصلية فرنسا، وتحدثوا عن الفكرة التي عرضها الأخيران على السيدة، والتفت جلالته إلى البارون كريستوف وكان يستمع إليهم، فقال له: إذا كنت مقتنعا يا سيدي البارون. - بالطبع، إنني مقتنع تماما يا صاحب الجلالة، إن علامة من يدك المجروحة أثمن من أي توقيع في العالم.
وسار جلالته والبارون كريستوف ثم الآنسة فيرونيك إلى منضدة فتح فوقها سجل رسمي كبير، وأخذ العمدة الكتاب وبدأ يقرؤه بصوت مرتفع حتى يسمعه كل من في الحجرة، وكانت عبارته هي ما يقال عادة في عقود الزواج، ولكن أهم ما فيه هو أن البارون كريستوف يقدم 500 مليون فرنك لصاحب الجلالة ملك فرنسا، وأن صاحب الجلالة يقبل أن تشاركه زوجته في عرش وتاج فرنسا. وأخيرا انحنى جلالته فوق المنضدة ووضع القلم بيده المجروحة، وساعدته السيدة البرنسيس في وضع علامة في أسفل العقد، وقد ارتسمت على فم جلالته ابتسامة ساخرة أكثر منها بهجة فرحة، ولقد كان شاهدا جلالته هما نيافة الكاردينال بنفنتي، وكان مفهوما أن يكون الثاني هو الكونت فريزن، ولكن ما كاد يهم بأخذ القلم حتى تقدمت السيدة البرنسيس فتناولته من يد الكاردينال وأعطت القلم إلى رفعة السيد جوميني، وبعد كلمات بسيطة لطيفة وقع هو الآخر على العقد.
وجاء بعد ذلك دور العروس، وتولى والدها التوقيع وكيلا عنها، وشهد معه على التوقيع الكونت فردريك والبرنس ريميروف، وبعد أن تم هذا أدخل البارون كريستوف يده في جيب سترته وأخرج حافظة أوراقه، فأخذ منها ورقة صغيرة مستطيلة كانت بقيمة الدوطة التي قررها لابنته وهي نصف مليار.
وأخيرا أشار جلالته بانتهاء الحفل، ثم تحدث إلى عروسه في كلمات قلائل، وسرى الدم حارا إلى وجه فيرونيك وهي تجيب في النهاية على تحية جلالته.
الفصل الثاني عشر
في صباح اليوم التالي كان فرح البارون كريستوف عظيما بسعادة ابنته العزيزة، لدرجة أنه لم يعبأ بقيود التقاليد، التي تفرضها الهيئة الاجتماعية سنة 1860، والتي تحكم علاقات الخطيبين في ذلك الحين، فكان كل ما فعله هو أنه رافقهما إلى مسافة قريبة بعد باب فلا ماري تريزا، حتى لا يثير دهشة وفضول الخدم.
وكانت فيرونيك قد حدثت والدها عن هذه المسألة في الليلة الماضية عند رجوعها من حفلة الاستقبال العظيمة في فلا إليزابث، فقالت له: إن لويس يريد مني أن أذهب معه غدا إلى الريف طول النهار، لقد قال لي إن بادن بادن تزعجه.
وكان كل ما قاله والدها أن صحح حديثها في لطف: لويس! يا طفلتي العزيزة! - أعني جلالته طبعا. - يجب ألا ننسى هذا، أليس كذلك؟
نامعلوم صفحہ