822

بما في فؤادينا من الحب والهوى

فيبرأ منهاض الفؤاد المشغف

غير أن ذلك وإن كان مقولا، فأفصح منه: بما في أفئدتنا، كما قال جل ثناؤه: { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما }. فلما كان ما وصفت من إخراج كل ما كان في الإنسان واحدا إذا ضم إلى الواحد منه آخر من إنسان آخر، فصار اثنين من اثنين، فلفظ الجمع أفصح في منطقها وأشهر في كلامها، وكان الأخوان شخصين كل واحد منهما غير صاحبه من نفسين مختلفين أشبه معناهما معنى ما كان في الإنسان من أعضائه واحدا لا ثاني له، فأخرج أنثييهما بلفظ أنثى العضوين اللذين وصفت، فقيل إخوة في معنى الأخوين، كما قيل ظهور في معنى الظهرين، وأفواه في معنى فموين، وقلوب في معنى قلبين.

وقد قال بعض النحويين: إنما قيل إخوة، لأن أقل الجمع اثنان، وذلك أنه إذا ضم شيء إلى شيء صارا جميعا بعد أن كانا فردين فجمعا، ليعلم أن الاثنين جمع. وهذا وإن كان كذلك في المعنى، فليس بعلة تنبىء عن جواز إخراج ما قد جرى الكلام مستعملا مستفيضا على ألسن العرب لاثنينه بمثال، وصورة غير مثال ثلاثة فصاعدا منه، وصورتها، لأن من قال أخواك قاما، فلا شك أنه قد علم أن كل واحد من الأخوين فرد ضم أحدهما إلى الآخر، فصارا جميعا بعد أن كانا شتى عنوان الأمر. وإن كان كذلك فلا تستجيز العرب في كلامها أن يقال: أخواك قاموا، فيخرج قولهم: قاموا، وهو لفظ للخبر عن الجميع خبرا عن الأخوين وهما بلفظ الاثنين، لأن لكل ما جرى به الكلام على ألسنتهم مثالا معروفا عندهم، وصورة إذا غير مغير ما قد عرفوه فيهم أنكروه، فكذلك الأخوان وإن كان مجموعين ضم أحدهما إلى صاحبه، فلهما مثال في المنطق، وصورة غير مثال الثلاثة منهم فصاعدا وصورتهم، فغير جائز أن يغير أحدهما إلى الآخر إلا بمعنى مفهوم. وإذا كان ذلك كذلك فلا قول أولى بالصحة مما قلنا قبل. فإن قال قائل: ولم نقصت الأم عن ثلثها بمصير إخوة الميت معها اثنين فصاعدا؟ قيل: اختلفت العلماء في ذلك، فقال بعضهم: نقصت الأم عن ذلك دون الأب، لأن على الأب مؤنهم دون أمهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس } أنزلوا الأم ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك. وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث، لأن أباهم يلي نكاحهم، والنفقة عليهم دون أمهم. وقال آخرون: بل نقصت الأم السدس وقصر بها على سدس واحد معونة لإخوة الميت بالسدس الذي حجبوا أمهم عنه. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: السدس الذي حجبته الإخوة الأم لهم إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أمهم. وقد روي عن ابن عباس خلاف هذا القول، وذلك ما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس، قال: الكلالة: من لا ولد له ولا والد.

قال أبو جعفر: وأولى ذلك بالصواب أن يقال في ذلك: إن الله تعالى ذكره فرض للأم مع الإخوة السدس لما هو أعلم به من مصلحة خلقه. وقد يجوز أن يكون ذلك كان لما ألزم الآباء لأولادهم، وقد يجوز أن يكون ذلك لغير ذلك، وليس ذلك مما كلفنا علمه، وإنما أمرنا بالعمل بما علمنا. وأما الذي روي عن طاووس عن ابن عباس، فقول لما عليه الأمة مخالف، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن لا ميراث لأخي ميت مع والده، فكفى إجماعهم على خلافه شاهدا على فساده. القول في تأويل قوله تعالى: { من بعد وصية يوصى بها أو دين }. يعني جل ثناؤه بقوله: { من بعد وصية يوصى بها أو دين } أن الذي قسم الله تبارك وتعالى لولد الميت الذكور منهم والإناث ولأبويه من تركته من بعد وفاته، إنما يقسمه لهم على ما قسمه لهم في هذه الآية من بعد قضاء دين الميت الذي مات وهو عليه من تركته ومن بعد تنفيذ وصيته في بابها، بعد قضاء دينه كله. فلم يجعل تعالى ذكره لأحد من ورثة الميت ولا لأحد ممن أوصى له بشيء إلا من بعد قضاء دينه من جميع تركته، وإن أحاط بجميع ذلك. ثم جعل أهل الوصايا بعد قضاء دينه شركاء ورثته فيما بقي لما أوصى لهم به ما لم يجاوز ذلك ثلثه، فإن جاوز ذلك ثلثه جعل الخيار في إجازة ما زاد على الثلث من ذلك أو رده إلى ورثته، إن أحبوا أجازوا الزيادة على ثلث ذلك، وإن شاءوا ردوه فأما ما كان من ذلك إلى الثلث فهو ماض عليهم. وعلى كل ما قلنا من ذلك الأمة مجمعة. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك خبر، وهو ما: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحرث الأعور، عن علي رضي الله عنه قال: إنكم تقرؤون هذه الآية: { من بعد وصية يوصى بها أو دين } أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا زكرياء بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن علي رضوان الله عليه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله. حدثنا أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، قال: ثنا أشعث، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن علي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن ابن مجاهد، عن أبيه: { من بعد وصية يوصى بها أو دين } قال: يبدأ بالدين قبل الوصية.

واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والعراق: { يوصى بها أو دين } ، وقرأ بعض أهل مكة والشام والكوفة: «يوصى بها» على معنى ما لم يسم فاعله. قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك: { من بعد وصية يوصى بها أو دين } على مذهب ما قد سمي فاعله، لأن الآية كلها خبر عمن قد سمي فاعله، ألا ترى أنه يقول: { ولأبويه لكل وحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد }؟ فكذلك الذي هو أولى بقوله: { يوصى بها أو دين } أن يكون خبرا عمن قد سمي فاعله لأن تأويل الكلام: ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد، من بعد وصية يوصي بها، أو دين يقضى عنه. القول في تأويل قوله تعالى: { ءابآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا }. يعني جل ثناؤه بقوله: { ءابآؤكم وأبناؤكم } هؤلاء الذين أوصاكم الله به فيهم من قسمة ميراث ميتكم فيهم على ما سمى لكم وبينه في هذه الآية { ءابآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } يقول: أعطوهم حقوقهم من ميراث ميتهم الذي أوصيتكم أن تعطوهموها، فإنكم لا تعلمون أيهم أدنى وأشد نفعا لكم في عاجل دنياكم وآجل أخراكم. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } فقال بعضهم: يعني بذلك: أيهم أقرب لكم نفعا في الآخرة. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، قوله: { ءابآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } يقول: أطوعكم لله من الأباء والأبناء، أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله سبحانه يشفع المؤمنين بعضهم في بعض. وقال آخرون: معنى ذلك: لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا في الدنيا. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { أيهم أقرب لكم نفعا } في الدنيا. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } قال بعضهم: في نفع الآخرة، وقال بعضهم: في نفع الدنيا. وقال آخرون في ذلك بما قلنا. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } قال: أيهم خير لكم في الدين والدنيا الوالد أو الولد الذين يرثونكم لم يدخل عليكم غيرهم، فرضي لهم المواريث لم يأت بآخرين يشركونهم في أموالكم.

القول في تأويل قوله تعالى: { فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما }. يعني بقوله جل ثناؤه: { فريضة من الله } وإن كان له إخوة فلأمه السدس، فريضة، يقول: سهاما معلومة موقتة بينها الله لهم. ونصب قوله: «فريضة» على المصدر من قوله: { يوصيكم الله فى أولدكم للذكر مثل حظ الأنثيين فريضة } فأخرج فريضة من معنى الكلام، إذ كان معناه ما وصفت. وقد يجوز أن يكون نصبه على الخروج من قوله: فإن كان له إخوة فلأمه السدس فريضة، فتكون الفريضة منصوبة على الخروج من قوله: { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } كما تقول: هو لك هبة، وهو لك صدقة مني عليك. وأما قوله: { إن الله كان عليما حكيما } فإنه يعني جل ثناؤه: إن الله لم يزل ذا علم بما يصلح خلقه أيها الناس، فانتهوا إلى ما يأمركم يصلح لكم أموركم. { حكيما } يقول: لم يزل ذا حكمة في تدبيره وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض وفيما يقضي بينكم من الأحكام، لا يدخل حكمه خلل ولا زلل، لأن قضاء من لا يخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة.

[4.12]

يعني بذلك جل ثناؤه: ولكم أيها الناس نصف ما ترك أزواجكم بعد وفاتهن من مال وميراث إن لم يكن لهن ولد يوم يحدث لهن الموت لا ذكر ولا أنثى. { فإن كان لهن ولد } أي فإن كان لأزواجكم يوم يحدث لهن الموت ولد ذكر أو أنثى، فلكم الربع مما تركن من مال وميراث، ميراثا لكم عنهن، { من بعد وصية يوصين بها أو دين } يقول: ذلكم لكم ميراثا عنهن مما يبقى من تركاتهن وأموالهن من بعد قضاء ديونهن التي يمتن وهي عليهن ، ومن بعد إنفاذ وصاياهن الجائزة إن كن أوصين بها. القول في تأويل قوله تعالى: { ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين }: يعني جل ثناؤه بقوله: { ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد }: ولأزواجكم أيها الناس ربع ما تركتم بعد وفاتكم من مال وميراث إن حدث بأحدكم حدث الوفاة ولا ولد له ذكر ولا أنثى. { فإن كان لكم ولد } يقول: فإن حدث بأحدكم حدث الموت وله ولد ذكر أو أنثى، واحدا كان الولد أو جماعة، { فلهن الثمن مما تركتم } يقول: فلأزواجكم حينئذ من أموالكم وتركتكم التي تخلفونها بعد وفاتكم الثمن من بعد قضاء ديونكم التي حدث بكم حدث الوفاة وهي عليكم، ومن بعد إنفاذ وصاياكم الجائزة التي توصون بها. وإنما قيل: { من بعد وصية توصون بها أو دين } فقدم ذكر الوصية على ذكر الدين، لأن معنى الكلام: إن الذي فرضت لمن فرضت له منكم في هذه الآيات إنما هو له من بعد إخراج أي هذين كان في مال الميت منكم، من وصية أو دين. فلذلك كان سواء تقديم ذكر الوصية قبل ذكر الدين، وتقديم ذكر الدين قبل ذكر الوصية، لأنه لم يرد من معنى ذلك إخراج أحد الشيئين: الدين والوصية من ماله، فيكون ذكر الدين أولى أن يبدأ به من ذكر الوصية. القول في تأويل قوله تعالى: { وإن كان رجل يورث كللة أو امرأة }. يعني بذلك جل ثناؤه: وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة. ثم اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأ ذلك عامة قراء أهل الإسلام: { وإن كان رجل يورث كللة } يعني: وإن كان رجل يورث متكلل النسب. فالكلالة على هذا القول مصدر من قولهم: تكلله النسب تكللا وكلالة، بمعنى: تعطف عليه النسب. وقرأه بعضهم: «وإن كان رجل يورث كلالة» بمعنى: وإن كان رجل يورث من يتكلله، بمعنى: من يتعطف عليه بنسبه من أخ أو أخت.

واختلف أهل التأويل في الكلالة ، فقال بعضهم: هي ما خلا الوالد والولد. ذكر من قال ذلك: حدثنا الوليد بن شجاع السكوني، قال: ثني علي بن مسهر، عن عاصم، عن الشعبي، قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: إني قد رأيت في الكلالة رأيا، فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأ فمني والشيطان، والله منه بريء إن الكلالة ما خلا الولد والوالد. فلما استخلف عمر رضي الله عنه، قال: إني لأستحيي من الله تبارك وتعالى أن أخالف أبا بكر في رأي رآه. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عاصم الأحول، قال: ثنا الشعبي: أن أبا بكر رضي الله عنه، قال في الكلالة: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله: هو ما دون الولد والوالد. قال: فلما كان عمر رضي الله عنه، قال: إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر. حدثنا أبو بشر بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن الشعبي: أن أبا بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما قالا: الكلالة من لا ولد له ولا والد. حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن عمران بن حدير، عن السميط، قال: كان عمر رجلا أيسر، فخرج يوما وهو يقول بيده هكذا، يديرها، إلا أنه قال: أتى علي حين ولست أدري ما الكلالة، ألا وإن الكلالة: ما خلا الولد والوالد. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، عن أبي بكر، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد. حدثني يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس، قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن جريج يحدث عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس، قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد ابن الحنفية ، عن ابن عباس، قال: الكلالة: ما خلا الولد والوالد. حدثنا ابن بشار وابن وكيع، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، عن ابن عباس، بمثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد السلولي، عن ابن عباس، قال: الكلالة: ما خلا الولد والوالد. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { وإن كان رجل يورث كللة أو امرأة } قال: الكلالة: من لم يترك ولدا ولا والدا.

نامعلوم صفحہ