1014

فأعادها ثلاث مرات. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن زكريا ، عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الكلالة، فقال:

" ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف، { وإن كان رجل يورث كلالة } "

.. إلى آخر الآية. حدثني محمد بن خلف، قال: ثنا إسحاق بن عيسى، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير: أن رجلا سأل عقبة عن الكلالة، فقال: ألا تعجبون من هذا؟ يسألني عن الكلالة، وما عضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة. قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما وجه قوله جل ثناؤه: { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك } ولقد علمت اتفاق جميع أهل القبلة ما خلا ابن عباس وابن الزبير، على أن الميت لو ترك ابنة وأختا، أن لابنته النصف، وما بقي فلأخته إذا كانت أخته لأبيه وأمه أو لأبيه؟ وأين ذلك من قوله: { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك } وقد ورثوها النصف مع الولد؟ قيل: إن الأمر في ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، إنما جعل الله جل ثناؤه بقوله: { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك } إذا لم يكن للميت ولد ذكر ولا أنثى وكان موروثا كلالة، النصف من تركته فريضة لها مسماة فأما إذا كان للميت ولد أنثى فهي مع عصبة يصير لها ما كان يصير للعصبة غيرها لو لم تكن، وذلك غير محدود بحد، ولا مفروض لها فرض سهام أهل الميراث بميراثهم عن ميتهم.

ولم يقل الله في كتابه: فإن كان له ولد فلا شيء لأخته معه، فيكون لما روي عن ابن عباس وابن الزبير في ذلك وجه يوجه إليه، وإنما بين جل ثناؤه مبلغ حقها إذا ورث الميت كلالة وترك بيان مالها من حق إذا لم يورث كلالة في كتابه وبينه بوحيه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فجعلها عصبة مع إناث ولد الميت، وذلك معنى غير معنى وراثتها الميت إذا كان موروثا كلالة. القول في تأويل قوله تعالى: { وهو يرثها إن لم يكن لها ولد }. يعني جل ثناؤه بذلك: وأخو المرأة يرثها إن ماتت قبله إذا ورثت كلالة ولم يكن لها ولد ولا والد. القول في تأويل قوله: { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين }. يعني جل ثناؤه بقوله: { فإن كانتا اثنتين }: فإن كانت المتروكة من الأخوات لأبيه وأمه أو لأبيه اثنتين، فلهما ثلثا ما ترك أخوهما الميت إذا لم يكن له ولد وورث كلالة. { وإن كانوا إخوة } يعني: وإن كان المتروكون من إخوته رجالا ونساء. { فللذكر } منهم بميراثهم عنه من تركته { مثل حظ الأنثيين } يعني: مثل نصيب اثنتين من أخواته، وذلك إذا ورث كلالة، والإخوة والأخوات إخوته وأخواته لأبيه وأمه، أو لأبيه. القول في تأويل قوله تعالى: { يبين الله لكم أن تضلوا }. يعني بذلك جل ثناؤه: يبين الله لكم قسمة مواريثكم، وحكم الكلالة، وكيف فرائضهم { أن تضلوا } بمعنى: لئلا تضلوا في أمر المواريث وقسمتها: أي لئلا تجوروا عن الحق في ذلك، وتخطئوا الحكم فيه، فتضلوا عن قصد السبيل. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { يبين الله لكم أن تضلوا } قال: في شأن المواريث. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن حميد المعمري، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قالا جميعا: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: كان عمر إذا قرأ: { يبين الله لكم أن تضلوا } قال: اللهم من بينت له الكلالة فلم تبين لي. قال أبو جعفر: وموضع «أن» في قوله: { يبين الله لكم أن تضلوا } نصب في قول بعض أهل العربية لاتصالها بالفعل، وفي قول بعضهم خفض، بمعنى: يبين الله لكم بأن لا تضلوا، ولئلا تضلوا وأسقطت «لا» من اللفظ وهي مطلوبة في المعنى، لدلالة الكلام عليها، والعرب تفعل ذلك، تقول: جئتك أن تلومني، بمعنى: جئتك أن لا تلومني، كما قال القطامي في صفة ناقة:

رأينا ما يرى البصراء فيها

فآليناعليها أن تباعا

بمعنى: ألا تباع. القول في تأويل قوله تعالى: { والله بكل شيء عليم }. يعني بذلك جل ثناؤه: والله بكل شيء من مصالح عباده في قسمة مواريثهم وغيرها وجميع الأشياء { عليم } يقول: هو بذلك كله ذو علم.آخر تفسير سورة النساء، والحمد لله رب العالمين.

[5 - سورة المائدة]

[5.1]

يعني جل ثناؤه بقوله: { يا أيها الذين آمنوا أوفوا }: يا أيها الذين أقروا بوحدانية الله وأذعنوا له بالعبودية، وسلموا له الألوهية، وصدقوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه، أوفوا بالعقود يعني: أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربكم والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقا وألزمتم أنفسكم بها لله فروضا، فأتموها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكثوها فتنقضوها بعد توكيدها. واختلف أهل التأويل في العقود التي أمر الله جل ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية، بعد إجماع جميعهم على أن معنى العقود: العهود فقال بعضهم: هي العقول التي كان أهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضا على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءا، وذلك هو معنى الحلف الذي كانوا يتعاقدونه بينهم. ذكر من قال ذلك: معنى العقود العهود: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله: { أوفوا بالعقود } يعني: بالعهود. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل وعز: { أوفوا بالعقود } قال: العهود. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا سفيان، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد مثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال: جلسنا إلى مطرف بن الشخير وعنده رجل يحدثهم، فقال : { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } قال: هي العهود. حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { أوفوا بالعقود } قال: العهود. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } قال: هي العهود. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: { أوفوا بالعقود } بالعهود. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: { أوفوا بالعقود } قال: بالعهود. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { أوفوا بالعقود } قال: هي العهود. حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: سمعت الثوري يقول: { أوفوا بالعقود } قال: بالعهود. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. قال أبو جعفر: والعقود: جمع عقد، وأصل العقد: عقد الشيء بغيره، وهو وصله به، كما تعقد الحبل بالحبل: إذا وصل به شدا، يقال منه: عقد فلان بينه وبين فلان عقدا فهو يعقده، ومنه قول الحطيئة:

نامعلوم صفحہ