اسلام اور عربی تہذیب

محمد کرد علی d. 1372 AH
183

اسلام اور عربی تہذیب

الإسلام والحضارة العربية

اصناف

رأي لبون في الترك والتتر

رأينا البلاد التي خضعت للترك قرونا متقهقرة متراجعة، خرجوا منها كما دخلوا إليها على مركبات البقر، على ما وقع لهم في الروم إيلي، وكانوا إذا فتحوا بلدا عمروا فيه ثكنة أولا وجامعا ثانيا، أما المدرسة فلا تعمر إلا بعد سنين طويلة وبدواع كثيرة، يعمرها بعض نبهاء عمالهم على الأكثر بالسخرة وأموال المظالم والمغارم؛ وذلك فرارا بأموالهم من المصادرات، أو بأنقاض الجوامع والمدارس القديمة، وما أكثر ولوعهم بالبناء على الأنقاض! وهذه المدارس إذا قيست بما كان من نوعها في مصر لا تعد شيئا، وقد نظر لبون إلى عمل الترك في التمدين نظرة قدر معها الأشياء بقيمتها في الجملة، فقال: جاء الأتراك بعد العرب فاستولوا على جزء عظيم من بلاد الشرق ومنها مصر، والأتراك إذا نظر إليهم من الوجهة السياسية كان لهم عصر عظمة، فإن سلاطينهم الذين خلفوا إمبراطرة القسطنطينية، ورفعوا علم الهلال على كنيسة أيا صوفيا بدلا من الصليب اليوناني، قد أدخلوا الرعب زمنا طويلا على قلوب أشد ملوك أوروبا شكيمة، وتوسعوا في نشر كلمة الإسلام، بيد أن سلطانهم كان أبدا عسكريا محضا، أثبتوا كفاءتهم لتأسيس مملكة ضخمة، وكانوا إلى العجز في كل أيامهم عن إحداث مدنية لهم، وما كان أقصى همهم إلا أن ينتفعوا بما كان تحت أيديهم، فأخذوا عن العرب العلم والفنون والصناعة والتجارة وما إلى ذلك، وفي جميع المعارف التي برز فيها العرب لم يؤثر للترك أدنى ارتقاء. وكما أن الشعوب التي لا ترتقي تتراجع بحكم الطبيعة، ما عتمت ساعة انحطاط الترك أن حانت. وترجع نهاية تاريخ مدنية العرب في الشرق إلى اليوم الذي انتقلت فيه القوة الحربية في بلادهم إلى أيدي غيرهم، وظل التاريخ يذكر العرب لما لهم من التأثير الديني، ولكن مستوى المدنية التي بلغوها لم توفق العناصر التي خلفتها إلى الاحتفاظ به، وكانت مصر أعظم البلاد التي ابتليت بهذا الانحطاط العظيم، فبدأ تدنيها من العصر الذي انتصر فيه السلطان سليم، وجعل مصر ولاية من ولايات السلطنة العثمانية، فضعفت فيها الفنون والعلوم والصناعة بالتدريج . وكانت مصر كسائر الولايات التي ربطت بالآستانة، يديرها ولاة يتوالى تبديلهم، ولا يفكرون إلا بأن يغتنوا سريعا، فمسخ رونق البلاد القديم، ولم يقم أقل مصنع جديد، وأهملت المصانع التالدة، وخلت من يد تتعهدها، ولم يبق منها إلا ما غفلت عنه الأيام. قال: وإن من الرعايا من هم أرقى أخلاقا من حكامهم، وإن الشعب التركي خلق جنديا لا مثيل له، وإن بلادهم بأسرها خراب، وهي مزيج من عناصر أذلها الأتراك وما تمثلوها. قال: إن المغول خلفوا العرب في الهند فأخذوا عن المدنية العربية، وإذا عجزوا عن أن يرقوا بها فقد أحسنوا الانتفاع منها فرقيت الهند على عهدهم.

وقال أيضا:

34

كانت الشام على عهد الأمويين وأوائل عهد العباسيين من البلاد التي رأت حضارة بلغت أقصى حدود رقيها، وأصبح العرب أساتيذ بعد أن كانوا تلاميذ، واستفاضت العلوم والشعر والفنون الجميلة أي استفاضة، ودام نجاح الشام إلى عهد التقسيم الذي مزق مملكة الخلفاء، وعندها أخذت بالضعف، ولكنها لم تنطفئ شعلتها كل الانطفاء إلا عندما سقطت في حكم الأتراك، ولم يكن الخراب مطلقا، فإن معظم عجائب البذخ والفنون والصناعة التي جمعتها العرب قد زال أثره، ولم تلبث بعض العواصم مثل صور وصيدا أن أصبحتا في حكم قريتين كبيرتين، وعريت الجبال من أشجارها كل التعرية، وأقفرت القرى من سكانها، وكانت من أغنى الأرضين، وفي هذه الأماكن التي طالما أمرعت في غابر الدهر، أصبح العشب لا ينبت، منذ ضغطت عليها أيدي الترك. ا.ه.

هذا رأي لبون في حكمه على الأتراك واستعدادهم للحضارة، وما أثروه في بلاد العرب، ومن العدل أن لا يفوتنا أن انحطاط العرب بدأ بذهاب الدولة العباسية، وبأمثال هولاكو وجنكيز وغازان وتيمور من المغول. وكان العلم يعيش في البلاد الإسلامية بقوة التسلسل المنبعثة من أصله المتين، فلما جاء الأتراك العثمانيون لم يزيدوا أوضاعا من شأنها تقوية العلم، بل سكتوا على ما كان، فزاد بهم التأخر؛ لأنهم لم يسعهم أن يأخذوا بأيدي الناس إلى مضمار التقدم في العلوم والآداب، ولو بصرف العناية في إخراجهم من الأمية.

جهل الترك وتجهيل العرب

ومن أدهش ما يدون في عهدهم أن أحد وزراء المعارف المتأخرين كان يضع مناصب التدريس في المدارس الثانوية في المزاد، ويتولى المنصب أجرأ المدرسين على تنقيص المشاهرة، يوسد إلى من اقتنع بالقليل في هذه التولية، مهما بلغ من جهله في الفن الذي أخذ على نفسه تدريسه بهذا الراتب الضئيل. وحدث أنهم وسدوا دروس الدين إلى غير المسلمين في المدارس الثانوية، وكان من العادة في المدارس الوسطى بالبلاد العربية أن يعهد إلى أبناء العرب الذين لا يحسنون التكلم والكتابة بالتركية بتدريس الآداب التركية، وإلى الأتراك الذين لا يجيدون تأليف جملة واحدة بالعربية أن يدرسوا الصرف والنحو والمنطق والبيان العربي. أما المدارس الابتدائية فمعلموها خرجوا على الأكثر من غمار الجهلاء، وليس غير بعض المدارس العالية في العاصمة كالمدارس الملكية والحربية والطب والهندسة، في أواخر أيام الدولة، يتولى التدريس فيها علماء أجلاء من الترك والعرب والأرمن والروم والفرنسيس والألمان وغيرهم.

ولو عني العثمانيون بالتعليم عنايتهم بالجيش منذ القديم، لما وصلت بلادهم إلى ما وصلت من الجهل، ولما صار المسلمون في أيامهم إلى الانحطاط المبكي، ودولتهم جعلت التعليم صوريا لا حقيقيا. وبينا لا نجد في كل مائة قرية في بلاد العرب مدرسة ابتدائية واحدة، نرى الدولة من جهة أخرى قد بلغت بها الغيرة على نشر لغتها أن تكتب العقود وأسناد الضرائب والمواثيق والأحكام باللغة التركية، وأعظم من هذا أن حظرت استعمال اللغة العربية في المحاكم النظامية في التقاضي والكتابة، فحاربت بذلك العرب والعربية جهارا، حربا ليس فيها شيء من المنطق، وأتى زمن ولا من يحسن القراءة العادية في عدة قرى كبيرة، بل حدث أن بعض النابهين في بليدة إسلامية أراد أن يعلم ابنه القرآن فلم يجد له فيها شيخا يستطيع إقراءه إياه، فعمد إلى راهب يقرئه لابنه ففعل. وكان المسلمون أيام كان لهم بقايا من العلم يقرئ علماؤهم أهل الذمة كتبهم الدينية، فقد وقع لكمال الدين بن يونس

35

نامعلوم صفحہ