975

وأما سابعا: فلأن هذه الآية أيضا أي قوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} وأمثالها مما يفيد أن العباد هم الذين يحدثون قصدهم، إذ لو كان الباري تعالى هو الذي يحدثها لم يبق للتعليق المذكور معنى يعتد به، إذ يصير معنى الآية على ذلك هكذا، وما يخلق الله مشيئة لكم إلا أن يشاء الله، وإذا كانت الآية مفيدة كون العباد هم الذين يوجدون مشيئاتهم كانت أفعالهم الخارجية من باب أولى وأحرى، وقد زعم في المواقف وشرحه في مسألة الحسن والقبح بأن إرادات العباد ومشيئاتهم واقعة بفعل الله تعالى ابتداء بلا واسطة كسب، وهذا باطل باعتراف الأشاعرة في غير موطن الجدال؛ وذلك لأنهم قد استدلوا بقوله تعالى : {أتريدون أن تهدوا من أضل الله...}الآية. وهي إنكار للإرادة، ولا ينكر الفعل الذي لا دخل للعبد فيه اتفاقا كما مر، وأيضا فقوله تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم...}الآية. وعيد على الإرادة، ولا وعيد على ما كان فعلا لله تعالى بلا واسطة كسب للعبد، وأيضا فأمثال قوله تعالى: {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم...}الآية. لايتم لها معنى صحيح على تقدير أن إرادتهم فعل لله ابتداء بلا كسب منهم، وأيضا فقوله تعالى، {أن يتحاكموا إلى الطاغوت...}الآية. ذم لهذه الإرادة وفعل الله الذي لا واسطة لكسب على أن إرادت العباد ومشيئاتهم من أفعالهم، فالخلاف في هذا لا ينبغي لأحد من الأشاعرة، وإنما يكون الخلاف في الأفعال، فهم أي الأشاعرة يقولون بالكسب كما هو معروف، والعدلية بالتأثير والتحصيل، وسيأتي لهذا تتميم وتكيل، وبهذا يظهر فساد ما توهم الدواني، كما سيجيء إن شاء الله، والسراج في حاضية الكشاف حيث اعترض على جار الله رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} بقوله إلا أن يشاء الله أن يقسرهم، فقال أي السراج ما ملخصه: أن المفعول المحذوف هو مشيئتهم؛ لأنها المذكور أولا، وليست من أفعال العباد الإختيارية، تلهم حتى يقال أنهم لايحدثونها إلا أن يقسرهم الله على إحداثها، هذا معنى كلامه ظنا منه أنه لا منازع من المعتزلة في أن المشيئة ليست من أفعال العباد الإختيارة، بل سرح هو أيضا أنه لا منازع في ذلك، وهذا منه غلط عليهم ظاهر، فإنهم معلنون كل الإعلان بأنها من الأفعال الإختيارية، فلو عرف مذهبهم على وجهه[522]لما اعترض على الزمخشري، ولعلم أن قوله إلا أن تقسرهم صحيح، بناء علىأن المشيئة عنده من أفعالهم الإختيارية، كيف وقد ورد الوعيد عليها، {وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين}، {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم}، {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم}، {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}، {يبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون}، {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا}، {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله}، {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا}، {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}، {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}، {أتريدون أن تهدوا من أضل الله}، {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}، {ويريدون أن تضلوا السبيل} فافهم، وكثير من ذلك مما في التنزيل، بل لو لم يدل على أن المشيئة من الأفعال الإختيارية إلا هذه الآية أعني قوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} لما عرفت أولا، وحينئذ تبين أن هذه الآية حجة على المعترض وهو يظن أنها شبهة له، ومع ذلك فلم يسلم من التناقض في كلامه والخبط في أوهامه.

واعلم أن تحقيق المقام هو أن يقال إنما جاء التعليق والإستثناء في هذه الآية وأمثالها في سياق مشيئة الخير لا مشيئة الشر،{ فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا}.

وقد صرح أهل البيان بأنه جب في مثل هذا المقام تقدير المفعول المحذوف بحسب القراين الدالى على تعيينه إن عاما فعام، وإن خاصا فخاص، وأي قرينة على خصوصة أوضح من قوله تعالى: {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا}، {لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاءون إلا أن يشاء الله} ونحوها، وأما ما يقال من أن الفعل المتعدي إذا حذف مفعوله كان عاما، وفعل المشيئة هنا كذلك، فيعم الشر والخير، فليس بشيء.

أما أولا: فالمسألة خلافية، فمن الفريقين من قال بالعموم، ومنهم من قال بعدمه، كما عرف في أصول الفقه.

صفحہ 1105