959

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : حكماء علماء كادوا من الفقه يكونوا أنبياء)) الحديث بكماله، فانظر قوله عليه السلام في وصفهم حكماء علماء مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم ما سألهم من أي حيثية يرون بالقضاء بل صار رضاهم بالقضاء وصبرهم على البلاء وشكرهم في الرخاء مستدعيا لوصفه لهم بالحكمة والعلم، فدل ذلك على أن الرضى من فعله تعالى لا غير، وهكذا القدر إذا كان بمعنى القضاء، ولا يجري في أفعال العباد المشتملة على القبائح المستندة إليهم مع كونها منسوخة بالشرور والفواحش، وقد نزه نفسه عزوجل عن الأمر بها والرضاء بإيجادها، والمحبة لوقوعها، كما ذم الإرادة القبيحة، {أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل} وليس عن كلامه الذي هو تنزيل من حكيم حميد تنزيل، وقد جاء على يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى ولا ميل، وهو عليه وعلى آله الصلاة والسلام القائل: (( الخير بيديك والشر ليس إليك)) وكفى بهذا التنزيه المطابق للتنزيل، وهو تعالى قد نزه نفسه عن بعض ما تقول المجبرة أنه بقضائه وقدره، كما قال تعالى: {أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل أالله أذن لكم أم على الله تفترون} فالمجبرة شركاؤهم في الإفتراء على الله؛ لأنهم يقولون: أن جعلهم لهذا [513]حراما، وجعلهم لهذا حلالا بإذن الله تعالى؛ لأن كل معا قضى به وقدره فقد فعله وأوجده، وكلما كان كذلك كان بإذنه وإرادته تعالى، وحينئذ فتفسير القضاء بالقدر مما يزيد ريبة في هذا الحديث قاضية بالتعليل، ولئن زلنا عن هذا كله قلنا: إما أن تقولوا أن هذا الحديث نص في الجبر، وخلق الأعمال، أو أن تعترفوا بأن غاية ما فيه الدلالة على سبق العلم، إن كان الأول فغير مقبول لما ذكرناه آنفا، وفيما مضى لنا أول الكتاب، وإن كان الثاني لم يبق لكم فيه متشبث؛ لأنكم قد اعترفتم بأن العلم تابع للمعلوم، فلا يدل من حيث هو هو، علىالجبر فضلا عن خلق الأعمال، وإنما ادعيتم أنه إنما سبق العلم بالجبر لدلالة مثل هذا الحديث، فإذا كان مثل هذا لا دلالة فيه على أكثر من سبق العلم بالأفعال على جهة التحديد والتقدير، فقد لزم الدور لزوما ظاهرا، ثم أن في هذا الحديث مما لايجري على مذهبكم أشياء منها: إثبات الكدح، فإن معناه على ما في الكشاف، وشرح العلامة المطر.......على المقامات وغيرهما مما يشعر بالتأثير والإجتهاد في التحصيل، ومنها ما مر من أن قوله من قدر قد سبق ينافي ما زعمتم، كما ذكره السيد في شرح المواقف عن الأشاعرة حيث قال فيه ما نصه: واعلم أن قضاء الله عند الأشاعرة هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه، فيما لا يزال وقدرة وإيجاده إياها على قدر مخصوص، وتقدير معين في ذواتها وأحوالها. انتهى.

صفحہ 1087