818

فإن الرب لكونه مربيا ومبلغا للشيء إلى كماله شيئا فشيئا لايكون ما أنزل إلينا من حيث أنه منه إلا ما فيه صلاحنا، وهدايتنا، وكمالنا، لا فسادنا، وضلالنا، ونقصاننا، هذا كلامه، وهو إن لم يكن اعترافا صريحا بأن الرب تعالى لايكون منه إلا محض الخير والصلاح والهدايةوالكمال، لا الفساد والضلال، وأنه اعتراف ببطلان الجبر، وسقوط جميع الشبه المتمسك بها في إثباته، وإلا كان الفرق تحكما محضا، حيث يقال أنه لاينزل إلا ما فيه صلاحنا بخلاف الخلق، فإنه يخلق تعالى ضلالنا، وفسادنا، ويريده منا تعالى الله عن ذلك، وكيف لا يكون الفرق تحكما وقد بينا أن هذا القرىن اللفظي الذي أنزله علينا من صفات الأفعال إتفاقا بين المعتزلة والأشاعرة، إلا العضد ومن قلده، ولئن سألنا أنه ليس من صفات الأفعال على ما ذهب إليه العضد ومن قلده كالمعترض، فلا نسلم الفرق بين ما أنزل وما خلق في هذا المعنى؛ لأن مناط الحكم هو كونه تعالى ربا والرب لا يوقع من يربيه إلا في الخير المحض باعتراف المعترض، وإلا فكيف يكون[431] ربا مبلغا إلى الكمال على التدريج كما قالوا، فقد بطل ما تمسك به من أمثال هذه الآية باعترافه من حيث لا يشعر، والحمد لله رب العالمين.

ومما يوضح بطلان هذا المذهب قوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} ومثله قوله تعالى: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} ولو كان قولهم وفعلهم الأول خلقا لله تعالى لما صح عليه التبديل، إذ لا تبديل لخلق الله، وإذا كن خلق الله تعالى ليس له من تبديل .......التنزيل فأي مجال للتأويل؟

ومما يوضحه أيضا أن الله تعالى قد وصف بعض أفعال العباد بأنه باطل، فلو كانت من خلقه تعالى لم يصح أن يوصف شيء منها بأنه باطل؛ لكن التالي منتف، فالمقدم مثله، والملازمة وبطلان اللازم ظاهر معلوم بالنص، فإن الله تعالى قال: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا} ولاشك أن أفعال العباد لو كانت مخلوقة له تعالى وكان بعضها باطلا لزم الكذب في مثل هذه الآية وغيرها، مما هو في معناها من الكتاب والسنة، وقد قال تعالى: {إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} ولها نظائر والأمر ظاهر.

صفحہ 921