احتراس
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
وأما ثالثا: فلأنه تعالى قد قال في الآية الآخرى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} ومعلوم أنه لو كان تعالى هو المحصل للزكا الذي هو الطاعة في العباد ولا تأثير لهم فيها أصلا لما صح هذا الإستثناء في هذه الآية وهو ظاهر أيضا، فاتضح أنه لا يصح للرازي حمل التزكية في الآية المذكورة على تحصيل الزكا حقيقة، وإنما أفادنا الإعتراف بأن الحقيقة في معنى التزكية هي تحصيل الزكا فيكون قول الله تعالى { قد أفلح من زكاها} حجة للعدلية، ومن ادعى أن التزكية هنا ليست على حقيقها فعلية البيان؛ لأنه يدعي خلاف الأصل، ويحتج عن الظاهر، ولما وضح هذا المعنى لصاحب[405]الكشاف وانكشف له ما سبق ذكره في بيان ما أشار إليه جار الله في ذكل التعكيس المذموم هنالك وأعرض عماسوى ذلك التقدير المرجوع، بل الباطل؛ لأنه علم أنه لابد منه مكره أخاك لا بطل وإلا كانت الآية أي قوله تعالى {قد أفلح من زكاها} حجة على أصحابه، فقال في حاشيته: على الكشاف والمرجح أن يرجع الصمير المستتر إلى الله تعالى والمفعول إلى من بتأويل النفس، لما جاء في الصحيح عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( آت نفس تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها)) ما أشال إليه جار الله، وإنما قلنا أنه محتمل ؛ لأن جعل الضمير في زكى ......لله تعالى، والضمير المؤنث المفعول فيهما لمن بناء على تأويله بالنفس أي نفس العبد مع أن بناء قد أفلح وقد خاب .......والتعمية، وعلى فرض حصة وقوعه في العربية الفصيحة، ففيه عدول عن الإنصاف، وإنما هو من إثار التعصبات للآباء والأجداد الجارية مجرى المكابرة والعناد، ولقد صدق جار الله حيث سماه تعكيسا ومحلا لنصرت المذهب، والإعتقاد والعجب من ناظر يجنح إلى هذا أولا يلتفت إلى ما أخرج البزار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قول الله تعالى : {قد أفلح من تزكى} قال: (( من شهد ألا إله إلا الله وذكراسم ربه فصلى)) قال :(( هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها، والإهتمام بها)) وأخرج أيضا عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت {إن هذا لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى}. انتهى. والأمر واضح غير خفي حتى أنه لم يتجاسر على إنكاره رئيس الجبابرة الحجاج بن يوسف الثقفي حين احتج عليه الحسن البصري رضي الله عنه بهذه الآية فقال له: لو كان الله هو الذي دساها لما خيب نفسه تعالى عما يقول الظالون علوا كبيرا، هذا ولا شك في أنه يجوز عند المجبرة أن يقال أن الله تعالى هو المزكي والمدسي وهم قد صرحوا أن الأفعال التي تسند إلى العباد بطريق القيام والمحلية كصلى وصام وآمن وكفر، لا تستد إلى الله تعالى، كما تبين المعترض عما ألزمهم به المؤلف فيما سيأتي أنه يلزمهم أن يسمى الله تعالى كافر لإيجازه الكفر، وقال: بما قال لهم .........لا يمنعون هنا أن يقال أن يقال أن الله هو المزكي والمدسي كما ارتضاه صاحب الكشاف وزعم أنه المرجح ولم جاز مثل ما في هذا الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره عن زيد بن أرقم أنه كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (( آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)) مع أنهم قد قرروا أن الفعل إنما يسند حقيقة إلى من قام به ، ولهذا قال المعترض: لا حجة في مجرد الإسناد إلى من، وأنت إذا تأملت ما في هذا الحديث من الإتيان باسم التفضيل عنى قوله خير من زكاها رادك يقينا بما أشرنا إليه، ونظير هذا ما سنذكره [406] إنشاء الله تعالى من قولهم أن الله تعالى هو المسعر، فوصفوه تعالى بمالا يستحق الوصف به إلا العباد، ونظر إلى قاعدتهم المذكورة فكيف يوصف تعالى بالتسعير الذي يكون من أفعال العباد كما في المواصفة على سعر معين، ولذا نهاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما سيأتي.
وبالجملة ففي أمثال هذا الذي ذكرناه ما يدل على اضظرابهم وبطلان قولهم أن الفعل إنمايسند حقيقة إلى من قام به دون من حصله وأثر فيه، وعلى دقة المسلك الذي أشار إليه جار الله رحمه الله تعالى، وعلى ضعف نظر المعترض وفساد قوله، ما اثبتها إلا بالإستدلال إلى قوله لو اقتضى الفاعلية لمعنى الخالقية...إلخ،
صفحہ 873