669

قال رحمه الله تعالى: ثم نبه سبحانه على حكمته البالغة في أن جعل القبلة أولا في بيت المقدس ليعلم سبحانه واقعا في الخارج ما كان معلوما له قبل وقوعه من يتبع الرسول في جميع أحواله، ومن ينقاد لأداء أمر الرب تعالى ويدين بها كيف كانت، فهذا هو المؤمن حقا الذي أعطى العبودية حقا، ومن ينقلب عقبيه ممن لم يسرخ الإيمان في قلبه، ولم يستقر عليه قدمه فعارض وأعرض، ورجع على حافرته، وشك في النبوة، وخالطت قلبه شبهة الكفار الذين قالوا: إن كانت القبلة حقا فقد خرجتم عن الحق وإن كانت باطلا، فقد كنتم على باطل، وضاق عقله المنكوس عن القسم الثالث الحق، وهو أنها كات حقا ومصلحة في الزمان الأول، ثم صارت باطلة لاستقبال فعل الوقت الثاني، ولهذا أخبر سبحانه عن عظيم شأن هذا التحويل والنسخ في القبلة فقال: {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله}، ثم قال رحمه الله تعالى: فهذا معنى كون الحسن والقبح ذاتيان ...من ذاته، ولا ريب عند ذوي العقول أن مثله يختلف باختلاف الأزمان والأمكنة والأحوال والأشخاص، وإذا تأملت الشرائع الناسخة المنسوخة وجدتها بهذه المنزلة، فمنها ما يكون وجه المصلحة فيه ظاهرا مكشوفا، ومنها ما يكون ذلك فيه خفيا لا يدركه إلا بفضل فطنة [350]وجودة إدراك، انتهى، وقد كفنا مؤنة الايضاح لفساد كلام المعترض، هذا ولا يخفاك أن الحسن والقبح عندنا كما يكون عقليا يكون شرعيا أيضا وهو مذكور في متون كتب المعتزلة، والنسخ إنما يكون في الشرع، ولهذا عرف النسخ بانتها حكم شرعي عند بعض أصحابنا وبعض مخالفيهم، وعرف برفع الحكم الشرعي عند بعض من كل من الفريقين، وإزالة مثل الحكم الشرعي عند البعض فعلى .....لا يتم ما حاوله المعترض بوجه ما، والحمد لله رب العالمين.

قال أبو الحسين في المعتمد ما نصه: وينبغي أن يجد الطريق الناسخ بأنه قول صادر عن الله تعالى أو منقول عن رسوله أو فعل منقول عن رسوله يفيد إزالة مثل الحكم الثابت بنص صادر عن الله، أو بنص أو فعل منقولين عن رسوله مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا، انتهى ثم قال: ولا يلزم عليه أن يكون الشرع ناسخا لحكم العقل؛ لأن العقل ليس بقول ولا فعل منقول عن الرسول، انتهى وهو مناد لما ذكرناه.

صفحہ 751