احتراس
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
قال العضد: ومعناه أن الحكم الأول كان دائما في علم الله تعالى مشروطا بشرط لا يعلمه إلا هو، وأجل الدوام أن يظهر انتفا ذلك الشرط للمكلف فينقطع الحكم ويبطل دوامه، وما ذاك إلا بتوفيقه تعالى إياه، فإذا قال قولا دالا عليه فذلك هو النسخ. انتهى كما في شرح المختصر الحاجبي ما بلفظه، وقد سبق أن المعتزلة لا يدعون إدراك عقولهم لأكثر الأحكام فضلا عن وجوهها، واعتباراتها، واعترف سعد الدين وغيره بذلك، فالمثال المذكور منحرف عن قنطرة المنازعة على أن بيان انتهاء الحكم العقلي ليس بنسخ بالاتفاق فتمسيته نسخا خطأ فلا تستقيم إرادة الحكم العقلي بل نقول: أن النسخ والتخصيص من باب واحد، ولهذا لم يفرق بينهما بعض العلماء، وستعرف إن شاء الله امتناع التخصيص في الأحكام العقلية باعتراف الدواني، وذلك بما لا يتصور فيه خلاف كما سنحققه في موضع يليق به إن شاء الله تعالى، وأيضا قد تقرر مراعاة المصالح في الأحكام الشرعية وجوها في الحكمة عند أصحابنا، وتفضلا عند غيرهم -أي الاتفاق- أنه تفضل من الله تعالى أنهم يريدون أن الله تعالى جعل ذلك لتفضل إذ لا غرض في أفعاله تعالى، ولا في أحكامه لما سبقت إليه الإشارة في صدر الكتاب إنما هي كالاتفاقية بل اتفاقية كلامهم في غاية الاشكال والمراد هنا ليس إلا بيان أنه لو ثبت النسخ عندنا وعند من يثبت الحكم منهم لم يثبت إلا بعد وجوده في الحكمة، وإذا وجب فيها لم يجز من الحكيم المختار تركه فضلا عن أن يكون منافيا للحكمة كما حاوله المعترض فإن الحكم المنسوخ الذي كان حسنا مثلا ليس في الحقيقة هو الحكم الثابت بعد النسخ فلم يتوارد الحسن والقبح على محل واحد حتى يلزم انتفا الحسن والقبح العقليين، وهذا ليس شيئا مغمورا فإنه قد جرى ذكره حتى الأشعار قال البوصيري:
ولحكم من الزمان انتهاء ... ولحكم من الزمان ابتداء
وستقف على تحقيقه في مسألة القرآن، ولنورد ما أورده ابن القيم في دفع هذا الذي قد يتوهم أنه اشكال فلقد جال رحمه الله تعالى وصال وفعل فعل النضال حيث قال كما نقله عنه بعض أصحابنا أهل الإفضال بأن هذا الاستدلال من أفسد المسالك لوجوه:
صفحہ 748