1397

وأما قوله: إذا الناقض مدعي فلا بد له من إثبات مادة النقض فقد رضيه بعض الفحول وتلقاه الآخرون بالقبول حتى نقله الكمال الخيالي في حاشية شرح العقائد بلفظه في مباحث الأعراض وعندي أن فيه نظرا وذلك لأنهم وإن صرحوا بأن المفروضات لا تكفي في النقوضات فلا تقدح في التعريفات لكنهم لا يريدون إلا أن النقض إنما يثبت باختلال نفس حقيقتهما ولا في وجودهما حتى يقال لا بد من إثباتهما بالفعل والذي يتم به [732] النقص هو أن الجسمين المفروضين يسميان غيرين، وأيضا فإن قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} جاء نقضا لدعوى المشركين تعدد الآلهة، ولا شك أنه ليس إلا فرضا لتعدد الآلهة القادرين على ما يستلزم التمانع وكفى هذا الفرض في الاستدلال على نفي تعدد الصانع وإن قد قالوا فيه إنه إقناعي، وأيضا فإن المعترض سيصرح في أول كتاب التوحيد بما يشعر بخلاف كلامه هنا كما سننبه عليه، وقد أشعر كلام السيد المحقق في شرح المواقف بأن جميع الأشاعرة اختاروا هذا التعريف المغير إليه ولم يتكلفوا تصحيح الأول وترويحه كما ذكره في الكلام على الغيرين، وأيضا فلا خصوص لدعوى الأشعري بالموجودين بالفعل بل هي أعم من ذلك بحيث يشمل المعدومين، وقد اعترف المعترض بهذا حتى قال إنه إنما أخذ الموجودين في التعريف لأنه الذي يهمه فعرفت أن مادة النقض الملوب إثباتها من الناقض هي تجويز العقل لشيئين لا يجوز عدم أحدهما مع وجود الآخر وذلك جار في الجسمين المفروضين، ثم لا يخفاك أن الفلاسفة قائلون بقدم الجسم وسيأتي إشارة إلى هذا في موضعه، فقول المعترض: لا قديم سوى الله وصفاته ...إلخ فيه ما فيه وتخصيص البحث بقوم دون قوم غير جار على القانون في التوجيه ولا مرضي للنبيل النبيه وإلا لما احتيج إلى التأليف والمناظرة لإمكان الجمود على الاعتقاد والإصرار على المكابرة كيف والكلام في التعريف الذي لا ينبغي أن يكون عرفانه مخصوصا بقوم دون قوم على أن المراد به هو رفع الشناعة من طرف الخصوم فلا يصح أن يكون مبنيا على ما لا يسلمه البعض وإلا كانت الشناعة باقية بل زائدة، ولو سلم فللناقض أن يتحول عن منصب النقض إلى منصب المنع ويجعل الجسمين المفروضين سندا لمنعه وليس المراد أنه يورد المنع على نفس التعريف فإن ذلك خبط في المناظرة لأن المنع لا يورد على التعريفات لأن حاصل المنع طلب الدليل والدليل إنما يورد على التصديقات لا التصورات والتعاريف من الثاني إنما المراد أن حاصل كلام الأشعري دعوى أن هذا هو مفهوم الغيرين لغة وشرعا وعرفا فيكون المنع بصدد هذه الدعوى لا بصدد التعريف، ولعل الدواني إنما قال ولئن تنزل عن هذا المقام أيضا لمثل ما ذكرناه وقد علمت سابقا في كلام الجلال الدواني وعمموا الانفكاك فقالوا سواء كان الانفكاك بينهما بحسب الوجود أو بحسب الحيز وعلى هذا يندفع النقض بالجسمين المفروضين لإمكان الانفكاك في الحيز فأورد عليه بعضهم فرض إلهين وحينئذ عاد النقص لعدم إمكان الانفكاك لا في الوجود للوجوب والقدم ولا في الحيز إذ لا حيز، ولما علم الدواني نحو هذا عدل إلى منع النقص بالفرض وقد عرفت ما فيه.

وأما قوله: فلا نسلم أنما ثبت قدمه امتنع عدمه. فقد تتابعوا فيه أي في هذا المنع واستحسنوه ونقله الكمال الخيالي في حاشيته على شرح العقائد أيضا [733] ولعل أول من قرر ذلك هو الرازي في المحصل في خلال الرد على الكرامية المستدلين على وجوب أبدية العالم لكن كلامه هنا بطريق آخر والمعترض قد قال بمقتضى هذه المقدمة من حيث لا يشعر وذلك فيما سيأتي على قول المؤلف رحمه الله تعالى: والعالم محدث ...إلخ حيث ذكر أن الإمكان إذا كان ثابتا أزلا لم ينقلب فيما لا يزال إلى الامتناع وهذا لا يتم إلا إذا سلمت المقدمة المذكورة أي ما ثبت قدمه امتنع عدمه بل لا يتم على قاعدة المتكلمين القائلين بأن الإمكان اعتباري إلا إذا كان الثبوت المذكور في هذه المقدمة أعم من الثبوت في الأعيان وفيه ما فيه، فليتأمل.

صفحہ 1539