احتراس
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
ثم نقول: إن ما ذكرته يا أخا الأكراد دعوى على دعوى فقد قال بعض أئمتكم بأن الفعل مجموع القدرتين قدرة الباري تعالى وقدرة العبد فأثبت تأثير العبد واجتماع المؤثرين، وأما أصحابنا المانعون لمقدورين قادرين فقد تقرر عندهم أن عين مقدور العبد لا يجوز أن يكون عين مقدور الله تعالى إذ لا يكلف الله عبده بأفعال نفسه وإلا لزم طلبه تعالى لتحصيل الحاصل وإنه محال، وعلى فرض أنه لا يلزم طلب التحصيل للحاصل فالمطالبة للعبد بالفعل الذي يعلم تعالى أنه لا يؤثر فيه العبد شيئا ولا يستطيع له تحصيلا تكون جارية مجرى السخرية غايتها هذا، وقد جرت عادة المعترض وعادة أسلافه المجبرة بإطلاق اسم الخلق على أفعال العباد كل ذلك تتميم للتلبيس والتمويه على القاصرين حتى إذا قالوا لا خالق إلا الله تعالى راج لهم هذا القول و...... وكان الأولى والأليق أن يتركوا هذا التلبيس المزوق ويتكلموا في التأثير الذي وقع النزاع فيه، وأما الخلق فلا نزاع للمعتزلة في أنه لا يطلق إلا على أفعال الله تعالى لكنا نجري على مقتضى تلبيس المعترض ونجعل اسم الخلق بصدد مطلق التأثير فالشأن كل الشأن في ادعاء المعترض أنه يجب أن تكون أعمال العباد مخلوقة لله تعالى لئلا يلزم اجتماع مؤثرين تامين ولم يلتفت إلى هذا المعنى ولا إلى أن في الذهاب إلى جعل التأثير في أعمال العباد لهم لا لله عز وجل جمعا بين الغرضين أي الفرار عن لزوم اجتماع مؤثرين على أثر واحد والفرار عن لزوم بطلان التكاليف وسقوط آيات الطلب والزجر في آيات الأمر والنهي وركن إلى مجرد الدعوى الباطلة أي دعواه [665] أن قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} نص في أن التأثير لله تعالى في أعمال العباد، وقد عرفت أن كونه نصا من الأماني الأشعبية بل قد أشرنا إلى أنه مستلزم للدور إذ لا يصح كونه نصا حتى يصح تناول الخلق لعين أعمال العباد لكنه لا يصح ذلك إلا بناء على قاعدة الجبر، فإثبات الجبرية به دور ظاهر، وقد بينا أن تناول الخلق لعين أعمال العباد محال فلا ينصرف إليه أصلا بل ينصرف إلى الجواهر كما سبق بما لا مزيد عليه في التوضيح، وإذا تأمله المنصف أذعن بأن هذه الآية أي قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} حجة لنا عليهم لا شبهة لهم في الجبر وخلق الأعمال لأنها أي هذه الآية الكريمة قد أضافت إلى العباد أعمالا خارجة عن محل قدرهم بالاتفاق وهم معترفون أيضا بأنه لا يضاف إلى العبد إلا ما كان مكسوبا له على ما زعموا في الكتب ومعترفون أيضا بأن الخارج عن محل قدرته ليس مكسوبا له ةلا تتعلق به القدرة الكاسبة وإنما تتعلق به القدرة المحصلة المؤثرة في الفعل، فالآية قد دلت على أن للعباد قدرا مؤثرة محصلة لأفعالهم وهو عين مذهبنا وخلاف مذهبهم، {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}.
واعلم أنا لو طلبنا من الله تعالى أن ينزل آية تدل على صحة مذهبنا وفساد مذهبهم واقترحنا آية بينة في ذلك لما اقترحنا إلا مثل قوله تعالى: {اعملوا ما شئتم}، {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} لكن علة الهوى والتعصب وعدم الإنصاف ما فيها حيلة ولا علاج، وقد أصاب المعترض من ذلك جانب عظيم أثمر له هذا اللدد واللجاج.
قوله: التامين. غير تام لأن كثيرا من أهل العدل قد يمنع أن يسمى العبد مؤثرا تاما لأن قدرته المؤثرة وسائر آلات الفعل من الله تعالى كما صرح بذلك بعض الإمامية لدفع إشكال أورده بعض الفلاسفة وليس هذا موضعه.
صفحہ 1399