احتراس
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
قال: وقد ظهر ظهورا بلا ريبة ولا امتراء عند من سلم أبصار بصائرهم من غشاوة التعصب والمراء بالحجة القاطعة والسنة الواضحة أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى من غير تأثير لقدرتهم فيها وليس لهم إلا الكسب، وقد مر معناه وتقريره وظهر أنها مقدرة عليهم فهو كسائر الأشياء بقدر فقد ظهر أن شيئا في قوله تعالى: {خالق كل شيء} شامل لأفعال العباد [548] كلها قطعا، وكذلك شيء في قوله تعالى: {إن الله على كل شيء قدير}، وكذلك في قوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} البتة، وقد أعلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا...)) الحديث أن الكتاب والعترة لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وهذا حديث صحيح عندكم وثابت بل متواتر عندكم، وحيث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق أخبر بأنهما لن يفترقا لزم أن يكون جميع العترة رضي الله عنهم قائلين بالقدر وإلا لزم أن يكونوا مفترقين من الكتاب واللازم باطل لأنه مستلزم لأن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم كاذبا وقد قال الله تعالى في حقه: {وما ينطق عن الهوى(3)إن هو إلا وحي يوحى} فاستحال أن يصدر منه الكذب فاستحال افتراق العترة من الكتاب، والكتاب قد نص على أن كل شيء يخلقه بقدر، ومن ذلك أفعال العباد خيرها وشرها فهي بخلقه تعالى وبقدر فلزم أن يكون العترة قائلين بذلك بالضرورة كما هو ثابت عندنا قولهم بذلك برواية صحيحة، ولسنا نحتج عليكم بمجرد مقالتهم حتى يمكنكم أن تقولوا: هذا ما ثبت عندنا فلا تقوم حجة علينا، وإنما نحتج عليكم بما هو ثابت عندكم ومتواتر أنهم لا يفارقون الكتاب، وقد بينا فيما سبق مفصلا أن الكتاب كالسنة ناص على ذلك نصا لا يمكن تأويله تأويلا صحيحا، وأن صاحب الكشاف مع تصلبه في الاعتزال ما أمكنه أن يأتي في تفسير الآية على وفق مذهبه إلا بما هو حجة عليه قاطعة آخذة بمخانق المنكرين ملقمة إياهم الحجر لا محيص لهم عنها أبدا، وإذا كان كذلك تعين أن يكون قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((القدرية مجوس هذه الأمة)) وارد في حق من ينفي القدر ويكذب به لا في حق من يثبته ويؤمن به وإلا لزم أن يكون العترة في هذه الفرقة وهو باطل بالاتفاق وبالنصوص الواردة فيهم.
أقول: ليس هذا الزيف والافتراء والحيف والاجتراء أكثر من تلك الدعاوي الباطلة بلا امتراء وهو بحمد الله قد ظهر كما قال ظهورا بلا ريبة، فإن امتريت فاسمع ما نتلوه عليك والحكم بعد ذلك مفوض إليك.
صفحہ 1162