فتوحات مکیہ
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1418هـ- 1998م
پبلشر کا مقام
لبنان
وكل مآربي قد نلت منها . . . سوى ملذ وذو جدى بالعذاب وأما رابعة العدوية فضرب رأسها ركن جدار فادماه فقيل ما تحسين بالألم فقالت شغلي بموافقة مراده فيما جرى شغلني عن الإحساس بما ترون من شاهد الحالة وصل السجدة السادسة وهي سجود المشيئة والحيوان وبعض البشر وعمار الأفلاك والأركان سجود مشاهدة واعتبار قال الله تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء فذكر سبحانه كل شيء في هذه الآية ولم يبغض إلا الناس فإنه قال وكثير من الناس وجعل ذلك من مشيئته فيبادر العبد بالسجود في هذه الآية ليكون من الكثير الذي يسجد لله لا من الكثير الذي حق عليه العذاب فإذا رأى هذا العبد أن الله تعالى قد وفقه للسجود ولم يحل بينه وبين السجود علم أنه من أهل العناية الذين التحقوا بمن لم يبعض سجودهم ممن في السموات ومن في الأرض والشمس في غروبها والقمر في محاقه والنجوم في مواقعها والجبال في إسكانها والشجر في إقامتها على سوقها والدواب في تسخيرها وبعض الناس ممن له الشهود فمن سجد هذه السجدة من أهل الله ولم يشهد كل عالم فيه ممن ذكر ويشهد سجود بعضه من كله ومن بقي منه ولم يسجد فما سجدها وصل السجدة السابعة وهي سجدة الفلاح والإيمان عن خضوع وذلة وافتقار وهي في آخر الحج في قوله يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون فهذا سجود الفلاح وهو البقاء والفوز والنجاة فكان فعل الخير بمبادرته للسجود عندما سمع هذه الآية تتلى سببا لإيمانه إذ كان الله قد آيه بالمؤمنين في هذه الآية وأمرهم بالركوع والسجود له فالتحق بالملائكة في كونهم يفعلون ما يؤمرون فسجد العبد فأفلح وهي سجدة خلاف فمن سجد هذه السجدة ولم يعرف نسبة البقاء الإلهي والإبقاء ولم يفرق بين من هو باق ببقائه ومن هو باق بإبقائه وفاز فامتاز بعلامته ممن انحاز وجاز ونجا عند ما التجا وقال بالتثبت في بعض الأمور وفي بعضها بالنجا فما سجد هذه السجدة وصل السجدة الثامنة وهو سجدة النفور والإنكار عند أهل الإعتراف قال تعالى ' وإذا قيل لهم اسجدو للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا لما قيل لهم اسجدوا للرحمن فسجدها المؤمن عندما يتلو ليمتاز بها عن الكافر المنكر لاسمه الرحمن فهذه تسمى سجدة الإمتياز والله يقول ' وامتازو اليوم أيها المجرمون ' فيقع الإمتياز بين المنكرين للاسم الرحمن وبين العارفين به يوم القيامة بالسجود الذي كان منهم عند التلاوة وزادهم هذا الاسم نفورا لجهلهم به ولهذا قالوا وما الرحمن على طريق الاستفهام فهذا سجود إنعام لا سجود قهر فإن الكفار أخطؤا حيث رأوا أن الرحمن يناقض التكليف ورأوا أن الأمر بالسجود تكليف فلا ينبغي أن يكون السجود لمن هو هذا الاسم الرحمن لما فيه من المبالغة في الرحمة فلو ذكره بالاسم الذي يقتضي القهر ربما سارع الكاف إلى السجود خوفا كما صدر من الجبار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من رؤساء الجاهلية حيث قال له يا محمد اتل علي مما جئت به حتى أسمع فتلا عليه حم السجدة فلما وصل إلى قوله تعالى فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود وهما من العرب وحديثهما مشهور عندهم بالحجاز فلما سمع هذه الآية ارتعدت فرائصه واصفر لونه وضرط من شدة ما سمع ومعرفته بذلك وقال هذا كلام جبار فما زادهم نفورا إلا اقتران التكليف بالاسم الرحمن فإن الرحمن من عصاه عفا عنه وتجاوز فلا يكلفه ابتداء فلو علم هذا الجاهل أن أمره تعالى بالسجود للرحمن لا يناقض التكليف وإنما يناقض المؤاخذة ويزيد في الجزاء الحسنى لبادر إلى ذلك كما بادر المؤمن فمن سجد هذه السجدة ولم يفرق بن العلم والخبرة وهو علم الأذواق ومنه قوله تعالى ولنبلونكم حتى نعلم وصل السجدة التاسعة وهي سجدة السر الخفي عن النبأ اليقين وموضع السجود من هذه السورة مختلف فيه فقيل عند قوله يعلنون وقيل عند قوله رب العرش العظيم فهذا هو سجود توحيد العظمة إن سجد في العظيم وإن سجد في قوله ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون يقول إن الشمس التي يسجدون لها وإن اعتقدوا أنها تعلم ما يعلنون فالسجود لمن يعلم ما يخفون وما يعلنون أولى ثم إنهم يسجدون للشمس لكونها تخرج لهم بحرارتها ما خمبأت الأرض من النبات فقال الله لهم ينبغي لكم أن تسجدوا للذي يخرج الخبء في السموات وهو إخراجه ما ظهر من الكواكب بعد أفولها وخبئها ثم يظهرها طالعة من ذلك الخبء وفي الأرض ما يخرجه من نباتها فالشمس ليس لها ذلك بل بظهورها يكون خبء ما في السموات من الكواكب فالله أولى بأن يسجد له من سجودكم للشمس فإن حكمها عند الله كحكم الكواكب في الأفول والطلوع فطلوعها من الخبء الذي يخرجه الله في السماء مثل سائر الكواكب فهذا سجود الرجحان فإن الدليل هنا في جناب الله أرجح منه في الدلالة على ألوهة الشمس حين اتخذتموها إلها لما ذكرناه فمن سجد هذه السجدة ولم يقف على لغات البهائم ولا علم منطق الطير ولم ينكح جميع الكواكب وحروف النطق بحيث يلتذ بها التذاذه بالكواعب وصل السجدة العاشرة وهي سجدة التذكر والذكر بتسبيح وتواضع عن دلالات منصوبة سجود عقل واستبصار وهذه سجدة الم تنزيل التي إلى جانب سورة لقمان الحكيم ' إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون ' إن حرف تحقيق وتنكير يقول إن الذي يصدق بآياتنا إنها آيات نصبن لها دلالات على وجودنا وصدق إرسالنا ما هي عن همم النفوس عند جمعيتها هم الذين إذا ذكروا بها والتذكر لا يكون إلا عن علم غفل عنه أو نسيان من عاقل فإنما يتذكر أولو الألباب يقول إنها مدركة بالنظر العقلي إنها دلالات على ما نصبناها عليه فإذا ذكروا بها وقعوا على وجوههم أي حرصوا على معرفة ذواتهم فنزهوا ربهم بما نزه به نفسه على السنة رسله ولم يعطهم العلم الأنفة عن ذلك فمن سجد هذه السجدة ولم يقف على مدارك عقله ولم يفرق بين ما يعطيه نظره وبين ما يعطيه إيمانه فينزه ربه إيمانا لا عقلا ويأخذ العلم والحكمة حيث وجدها ولا ينظر إلى المحل الذي جاء بها وإن العاقل يعرف الرجال بالحق وغير العاقل يعرف الحق بالرجال وهذا من أكبر أغاليط النظر فإن المعنى الذي يندرج في اللفظ الذي يقصد به المتكلم إيضاح أمر هو في الحق المطلوب يقبله الجاهل من الرسول إذا جاء به ويحيله ويرد من الوارث والولي إذا جاء به فلو قبل العلم الذات العلم لكان ممن تذكر فإن الله تعالى يقول في حق ما أنزل من القرآن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب به ثلاث طبقات من الناس فهو في حق طائفة بلاغ يسمعون حروفه إيمانا بها أنها من عند الله لا يعرفون غير ذلك وطائفة تلاه عليها ليدبروا آياته أي يتفكروا فيها حتى يعلموا أن الآتي بها لم يأت بها من نفسه بل هي من عند مرسله سبحانه وليتذكر أرباب العقول ما كانوا قد علموه قبل أي ما جاؤا بما تحيله الأدلة الغامض إدراكها فإنها لب الدلالات وهم أهل الكشف والجمع والوجود فمن لم يحصل ما ذكرناه في سجوده هذه السجدة فما سجد وصل السجدة الحادية عشرة وهي لنا سجدة شكر في حضرة الأنوار ولصاحبها سجدة توبة لا من حوبة وليست من عزائم السجود وهذه سجدة سورة صلى الله عليه وسلم في قوله ' وظن داود إنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ' فسجدها توبة وشكرا معا والظن على بابه يقول ظن داود إنما اختبرناه فإن الفتنة في اللسان الاختبار تقول العرب فتنت الفضة على النار أي اختبرتها فطلب طلبا مؤكدا الستر من ربه فإن الاستفعال يؤذن بالتأكيد ووقع خاضعا ورجع إلى الله فيما طلب عنه لا لحوله وقوته وهذا دليل على أنه كان عنده من القوة ما يستتر به فلم يفعل ورجع إلى الله في ذلك ويؤيد هذا قول الله له ولا تتبع الهوى فلو لم يكن في قوته التحكم به فيما يريده ما نهى عنه فقضينا حاجته فيما رجع إلينا فيه وسترناه عن الأغيار في حضرتنا فجهل قدره مع تصريحنا بخلافته عنا في الحكم في عبادي والتحكم والتصريف ثم قال ' وإن له عندنا لزلفى ' مما هو له منا لا يرجع من ذلك إلى الأكوان والأغيار شيء وحسن مآب وخاتمة حسنة أي مشهود لأن الحسنة والحسنى من الإحسان وهو مقام الشهود الذي يعطي الحقائق على ما هي عليه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الإحسان لجبريل عليه السلام بما أشرنا إليه فمن سجد هذا السجود وهو سجود الإنابة وفي السجود فيها خلاف فإذا سجدها الإنسان ولم يجد فيها ما وجد داود عليه السلام من التقريب الإلهي وعلم خاتمة أمره وبماذا يختم له ونهاية مقامه ومنزلته عند ربه في الدار الآخرة هذا إذا سجدها سجود داود وإذا سجدها سجود رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجد الزيادة في جميع أحواله في كل حال بما يليق به من علم وعمل في كل دار بما يليق بتلك الدار فإن الزيادات في الدار بحسب ما وضعت لها فالدنيا دار تكليف وعمل والآخرة دار جزاء والدنيا أيضا دار جزاء لمن عقل عن الله هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر زاد في عبادته ربه فقام حتى تورمت قدماه شكر الله على ذلك وهذا جزاء العبد على المغفرة فهي دار جزاء فيوم الدين هو يوم الدنيا والآخرة ففوضع الحدود جزاء وجازى أهل الشقاء بما عملوه من مكارم الأخلاق في الدنيا ما أنعم به عليهم من النعم حتى انقلوبا إلى الآخرة وقد جنوا ثمر خيرهم في الدنيا فلو لم تكن الدنيا أيضا دار جزاء ما كان هذا فمن لم يدرك في سجوده أمثال هذه العلوم فلم يسجد . هذا إذا سجدها سجود داود وإذا سجدها سجود رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجد الزيادة في جميع أحواله في كل حال بما يليق به من علم وعمل في كل دار بما يليق بتلك الدار فإن الزيادات في الدار بحسب ما وضعت لها فالدنيا دار تكليف وعمل والآخرة دار جزاء والدنيا أيضا دار جزاء لمن عقل عن الله هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر زاد في عبادته ربه فقام حتى تورمت قدماه شكر الله على ذلك وهذا جزاء العبد على المغفرة فهي دار جزاء فيوم الدين هو يوم الدنيا والآخرة ففوضع الحدود جزاء وجازى أهل الشقاء بما عملوه من مكارم الأخلاق في الدنيا ما أنعم به عليهم من النعم حتى انقلوبا إلى الآخرة وقد جنوا ثمر خيرهم في الدنيا فلو لم تكن الدنيا أيضا دار جزاء ما كان هذا فمن لم يدرك في سجوده أمثال هذه العلوم فلم يسجد .
وصل السجدة الثانية عشرة
صفحہ 625