1340

ثم يتكلم رجل منهم حتى يأتي على آخرهم، قال الشعبي[ (1) ]: فجلس يوما كما كان يجلس في أصحابه، فتكلم وتكلم[ (2) ]الناس حتى أفضى الكلام إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فتكلم وأوجز وأحسن، قال: فأعجبني منه وأنا لا أعلم ما في قلبه.

قال: ثم جمع الحجاج الناس ذات يوم فقال: دلوني على رجل يصلح للشرطة، فقال له كاتبه عنبسة: أصلح الله الأمير!عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في شرفه وجلده ومكانه من أهل مصره!فقال الحجاج: هو لها. قال الشعبي: فبادرت إليه وهو في منزل أمه أم عمران، فقلت له: البشرى يا أبا الأشعث!فقال: بما ذا؟فقلت: إن الأمير ذكر رجلا يصلح للشرطة فذكرك له عنبسة بن سعيد، قال الشعبي: فرأيته قد غضب فقال: ويحك يا أبا عمرو!ومثلي يتقلد سيفا ويمشي بين يدي ابن أبي رغال!والله ما رأيت أحدا قط على منبر يخطب إلا وظننت في نفسي أنا أحق بذلك منه!قال فقلت له: دع عنك هذا، فإن الحجاج ليس ممن يعادى ولا ينابح، فلا تسأله عن نفسك!فتبينت الكراهة في وجهه.

ثم ركب وركبت معه إلى عنبسة بن سعيد كاتب الحجاج، فلما دخلنا عليه قلت: أصلحك الله!إني قد أخبرت أبا الأشعث بما كان من برك وعنايتك ورأيك فكره ذلك!فقال عنبسة: ولم ذلك؟قال ابن الأشعث: لأنه لا حاجة لي في ولاية الشرطة. قال الشعبي: فسكت عنبسة، فقلت له: جعلت فداك!تدارك إصلاح ذلك، فقال: أفعل ذلك. ثم ركب إلى الحجاج فلما دخل وأخذ مجلسه جعل يتناعس في المجلس، فقال له الحجاج: ما قصتك؟فقال: أصلح الأمير!إني امتنعت اليوم من القائلة، قال الحجاج: ولم ذلك؟قال: لأني أشرت على الأمير أصلحه الله بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وهو رجل شريف شديد الحياء من الناس، فأخاف عليه الشفاعات. قال الحجاج: فلا حاجة لي فيه، ولكن دلوني على رجل يصلح لهذا الأمر!فقال له بعض جلسائه: فأي رجل يريده الأمير-أصلحه الله؟قال: دائم العبوس، طويل الجلوس، سمين الأمانة، أعجف الخيانة، يهون عليه شبال الأشراف في الشفاعات. فقال له أهل المجلس: ما نعرف مثل هذا إلا [ (1) ]هو عامر بن شراحيل الشعبي، من ندماء عبد الملك بن مروان، مات بالكوفة سنة 103 ه.

[ (2) ]الأصل: وتكلموا.

صفحہ 73