فی ادب حدیث
في الأدب الحديث
ولعبد المطلب فيما يتصل بهذه الناحية عن قرب قصة طريفة لامرأة فقيرة عجوز جاءت وابنتها إلى القاهرة تبحت عن عمل يكفيها شر السؤال، وكانت هذه أول مرة تفد فيها إلى القاهرة، فما أن نزلت ميدان "باب الحديد" حتى بهرتها الأضواء والضوضاء وتعدد السبل فوقفت حائرة برهة ولكن عين الشيطان كانت ترقبها، فما أن لحظ ترددها وهيبتها حتى دلف إليها في صورة ملاك يتقدم للأخذ بيدها، # وإرشادها إلى سواء السبيل، فأقبلت عليه بوجه باش تبثه خبيئة نفسها، وهو يبدي لها صنوف العطف والرحمة ما ألهج لسانها بالدعاء له، ولما رآها قد أمن جانبه قليلا أخذ ينصب حبائله للظفر بالفتاة، بيد أن الأم التي نشأت في الريف، ولها طبيعة لم تتدنس، ارتابت في حركاته، وتودده لابنتها، وما أن تيقنت من كيده، ورأت بعين فطرتها الأخيرة أنه شيطان مريد، حتى حذرته، وخشيت سطوته، وأخذت تقاوم ألاعيبة وكيده، وهو يلين تارة ويشتد أخرى، ولم ينقذها طيب المأوى والرفد والعناية، ولأسمعك بعض هذه القصة؛ لأنها تدل على موهبة طيبة عند عبد المطلب في حياكة القصة شعرا لو كان قد عنى بهذا واتجه إليه، وإن كان قد ساق هذه القصة بأسلوبه الجزل القوي ولم ينح عنها خياله البدوي:
أسألت باكية الدياجي ما لها ... أرقت فأرقت النجوم حيالها
باتت تكفكف بالوقار مدامعا ... غلب الأسى عبراتها فأسالها
تطوي على الآلام مهجة صابر ... قطع الزمان بريبه آمالها
تبكي إذا انقطع الأنيس لصبية ... يتضورون يمينها وشمالها
من كل ناعمة الحياة ومترف ... ورد الحياة معينها وزلالها
يشكو الطوى فتفيض مهجة أمه ... شفقا عليه وليس يدري حالها
ولأخته عين تحدث أمها وحيا ... وقد حبس الحياء مقالها
كلب الشتاء بجسمها فتعطفت ... تطوي على خاوي الحشا أوصالها
ثم يتطرق من هذا إلى قصة تلك العجوز فيقول:
ويتيمة شهد الزمان بيتمها ... في الحسن لم تلد الحسان مثلها
خرجت من الإسكندرية غدوة ... تزجي إلى أكناف مصر رحالها
حتى إذا وقف القطار بها على ... باب الحديد تلفعت أسمالها # وسعت تقلب مقلة محزونة ... في الذاهبين يمينها وشمالها
صفحہ 431