فی ادب حدیث
في الأدب الحديث
إن هذا النداء الذي يوجهه زعيم سياسي للأدباء لدليل قوي على مبلغ ما يشعر به من فائدة الأدب الحي، والشعر الحماسي، وما عساه أن يفعله في نفسية شعب أرهقها المحتل، وأذلها واعتصر منها ماء الحياة والعزة؛ وأنه يريد من الشعر أن يؤدي رسالة الوطنية والقومية، وأن يلهب بحرارته تلك النفوس الميتة، حتى تشتعل، وتحرق بحرارة إيمانها، وقوة يقينها بحقها في الحرية سطوة الغاصب، وتذيب حديده ومدافعه. وكم من أمة بليت بما ابتليت به مصر من محنة الاحتلال، وسامها أعداؤها الهوان والخسف، ولقنت صغارها تلك الأناشيد الوطنية، التي تنفث في قلوبهم كراهية هذا العدو الغشوم، فكبروا وكبر معهم مقتهم لهذا الذي حرمهم ألذ ما تطمح إليه الإنسانية وهو الحرية فحركهم شعور واحد هو الحقد والبغض، وويل للعدو -مهما أوتي من البطش والسيطرة- إذا # تجمعت عليه أمة تنبعث كل حركاتها عن كراهية له وحقد عليه، وتصمم في إرادة لا تفل، وعزيمة لا تكل، على طرده، وتحطيم أغلاله ، فعلت هذا "أيرلندا" و"بولندا" وغيرهما من الشعوب التي نكبت في استقلالها حينا من الدهر.
إنه كذلك يريد أن ينصرف الشعراء عن تمجيد الفرد إلى تمجيد الأمة، وإذا كان العرب قديما قد توجهوا بمديحهم للأفراد أمراء وخلفاء فلأن هؤلاء، وكانوا عنوان عزتهم، ومصدر فخارهم، وقادة لشعب حر مستقل لم يعرف العبودية والذلة؛ ولأنهم كانوا يمجدون فيهم صفات النبل والكرم والشجاعة ليكونوا مثلا أعلى لشعوبهم1، ثم إنهم لم يكونوا في حاجة إلى تلك الأناشيد الحماسية، والشعر الوطني، وهم يتمتعون بالاستقلال والحرية ولكننا في أمس الحاجة إلى مثل هذا اللون من الشعر.
وقد كانت الحقبة التي ظهر فيها مصطفى كامل ومحمد فريد حقبة يقظة قومية، وقد لبى الشعراء نداء الوطن، ووصفوا آلامه وعبروا عن مشاعره وآماله، كما مر بك، ولكن الزعيم السياسي يرحب بديوان "وطنيتي" لأنه حوى شعرا يعلي شأن الوطن في النفوس، ويوحي إليها بكراهية المحتل، والعمل على مقاومته وطرده، وهذا هو السبب في أنهم صادروا الديوان، وسجنوا فريدا ستة أشهر وعبد العزيز جاويش ثلاثة أشهر.
صفحہ 234