عودة الموت الأسود: أخطر قاتل على مر العصور
عودة الموت الأسود: أخطر قاتل على مر العصور
اصناف
أثر الهلع على أسواق الأوراق المالية الإقليمية، وأدى إلى ارتفاع أسهم شركات الأدوية، ولم يتفوق عليها سوى مصنعي الخل. كان كثير من الصينيين يعتقدون أنه إذا غلي وعاء من الخل حتى يتبخر، فإن البخار سيكون مطهرا فعالا لمكافحة المرض. أبلغ عن وقوع 4 حالات وفاة أخرى نتيجة غلي الخل فوق مواقد تعمل بحرق الفحم مما أدى إلى انبعاث أبخرة قاتلة.
كل هذا الهلع نتج عن وجود 300 حالة مصابة بالالتهاب الرئوي في المستشفى - ثلثهم أطباء وممرضون، وعاملون آخرون بمجال الصحة - عن طريق الفيروس. إلا أن 5 أفراد فقط لقوا حتفهم بحلول فبراير 2003.
بالرغم من أن هوية الشيء الذي اعتقد أنه فيروس لم تكن معروفة، فإن أحد العاملين بمركز إقليمي للوقاية من الأمراض المعدية ومكافحتها أعلن أن: «المرض تحت السيطرة، ونولي أولويتنا الآن لاكتشاف سببه. لم ندرك في البداية أنه وباء خطير ؛ ومن ثم لم نتعامل معه بجدية.»
ناشدت حكومات المنطقتين الإداريتين ماكاو وهونج كونج السكان أن يلتزموا بضبط النفس، إلا أنهم كانوا أكثر دراية من غيرهم بأن جنوب الصين قد ضرب بفيروسات جديدة فتاكة مرارا وتكرارا في السنوات الأخيرة.
لربما استفحلت موجة التفشي في إقليم جوانجدونج لتصبح وباء صغيرا هو سارس. نروي في النقاط التالية قصة سارس الآخذة في التكشف شيئا فشيئا: «26 فبراير 2003»: سافر رجل أعمال صيني أمريكي جوا إلى هانوي بفيتنام بعد قضاء وقت في شنغهاي وهونج كونج. مرض الرجل بعد ذلك بيومين، وفي السادس من مارس نقل إلى المستشفى حيث تدهورت حالته، ومات في الثالث عشر من مارس، فترك وراءه في فيتنام نوبة تفش لنوع فتاك من الالتهاب الرئوي أصبح معروفا باسم المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس)، وقد نقل العدوى إلى العاملين بالمستشفى الفرنسي بهانوي حيث تلقى العلاج. «5 مارس»: في تورنتو توفيت العجوز سوي تشو كوان، وتبعها ابنها كاي واي تسي البالغ من العمر 44 عاما في اليوم التالي، وقد كانا في زيارة إلى هونج كونج. أصيب أيضا 4 من الأقرباء وشخص وطيد العلاقة بالعائلة. وأبلغ عن وقوع ضحيتين في كولومبيا البريطانية لنفس المرض الغامض. «6 مارس»: وصول المرض إلى سنغافورة، حيث أبلغ عن ظهور الأعراض على ثلاثة أشخاص كانوا في زيارة لهونج كونج. بحلول السادس عشر من مارس، كان قد دخل إلى المستشفى 10 من أقاربهم وأصدقائهم و7 أفراد من العاملين بالرعاية الصحية، الذين كانوا قد تولوا رعايتهم، بنفس المرض.
لم يكن هناك علاج لأن الأطباء لم يكونوا قد عرفوا حتى تلك اللحظة ما إذا كان المرض بكتيريا أم فيروسيا. لقد استنتجوا أن المرض ينتقل من شخص إلى آخر وأن فترة حضانته قصيرة تتراوح ما بين يومين إلى سبعة أيام. وعادة ما تتضمن أعراضه ارتفاعا في درجة الحرارة أكثر من 38 درجة مئوية، مصحوبا بمشاكل تنفسية مثل السعال أو قصر النفس أو صعوبات في التنفس أو آلام العضلات. قد تتضمن الأعراض الأخرى الصداع وتيبس العضلات وفقدان الشهية وتوعك اضطراب ذهني وطفحا جلديا وإسهالا. «10 مارس »: في تايبيه، مرض ثلاثة أشخاص، منهم سيدة في الرابعة والستين من العمر كانت قد وصلت إلى ديارها عن طريق هونج كونج بعد زيارة بر الصين الرئيسي. كان هناك شعور بالحساسية في هونج كونج جراء اعتبار أنها مصدر المرض لأن هذا قد يطيح بقطاعها السياحي. جرد المتسوقون في هونج كونج - تلك المستعمرة البريطانية السابقة - الصيدليات من الأقنعة الجراحية ومن الأدوية التقليدية لعلاج الإنفلونزا الصينية، حيث احتجز 42 شخصا، منهم كثيرون من العاملين بمجال الصحة، بالمستشفى. أخليت ثلاثة عنابر، واضطرت عيادة متخصصة في علاج أمراض القلب إلى تخفيض خدماتها، وألغيت العمليات الجراحية غير العاجلة، كل هذا من أجل توفير أسرة العناية المركزة. بعدها بثمانية أيام ارتفع إجمالي عدد الأفراد الذين سقطوا مرضى في هونج كونج - الذين كان معظمهم من القائمين على الرعاية الطبية - إلى 100 فرد. «15 مارس»: وصل المرض إلى أوروبا عندما مرض طبيب كان عائدا من مؤتمر في نيويورك إلى دياره على متن طائرة قبل توقف طائرته مؤقتا بفرانكفورت بألمانيا. وكان هذا الطبيب قد عالج بعض الضحايا في سنغافورة. اتخذت السلطات الألمانية إجراء حكيما غير مسبوق بإخضاع ركاب الطائرة لحجر صحي معظم يوم السبت قبل إطلاق سراحهم لمواصلة رحلاتهم. «18 مارس»: استقبل المستشفى رجلا كان قد سافر من هونج كونج إلى مانشستر بالمملكة المتحدة للاشتباه في إصابته بسارس، وهي أول حالة في بريطانيا. أطلقت منظمة الصحة العالمية إنذارا بشأن انتشار المرض، واصفة إياه ب «خطر عالمي على الصحة»، ونصحت المسافرين من الصين وهونج كونج وجنوب شرق آسيا الذين ظهرت عليهم أعراض المرض الاتصال بالخدمات الصحية المحلية لبلادهم. «19 مارس»: جرى تشخيص المرض مبدئيا على أنه ينتمي إلى عائلة الفيروسات المخاطية، لكن بعدها بستة أيام تغير التشخيص إلى نوع جديد من الفيروسات التاجية (كورونا). حتى ذلك الحين، كانت نزلة البرد هي المرض البشري الوحيد المعروف أنه يحدث بسبب فيروس تاجي. «1 أبريل»: أشارت صحيفة ذا تايمز إلى أن انتشار سارس قد لا يمكن ردعه الآن. وذكر المحللون أن اقتصاد الشرق الأقصى يمكن أن يكون الضحية التالية للفيروس ؛ فالسياحة انهارت وتصدع النشاط التجاري تصدعا عميقا. «2 أبريل»: طبقت المصارف حول العالم إجراءات طوارئ في محاولة لمنع موظفيها من الاتصال بسارس. أخضع بنك يو بي إس - بنك سويسري يعمل لديه آلاف الموظفين في مدينة لندن - موظفيه العائدين من المناطق المنكوبة لظروف حجر صحي؛ إذ طلب منهم المكوث في المنزل لمدة 10 أيام. منع بنك ستاندرد تشارترد - واحد من أكبر البنوك الاستثمارية في هونج كونج - موظفيه من السفر من وإلى الشرق الأقصى. «3 أبريل»: تصدر صحيفة الديلي ميل العنوان التالي: «أيمكن أن يكون هذا إنذارا مبكرا بشيء أكثر فتكا؟»
نقلت هونج كونج أكثر من 200 مقيم في المجمع السكني أموي جاردنز بمنطقة كولون إلى معسكرات العزل بعد تفشي سارس؛ لأن منظمة الصحة العالمية أعلنت أن «إفرازات الجسم» التي تحتوي على الفيروس قد تتسلل بطريقة ما إلى الأنظمة المشتركة التي تربط الغرف أو الوحدات السكنية.
وعلى متن رحلة متجهة من هونج كونج إلى بكين، انتقل المرض إلى 22 شخصا من مصاب واحد فحسب. «4 أبريل»: خفضت شركة الخطوط الجوية الأسترالية كانتاس رحلاتها الجوية بمعدل رحلة واحدة من كل خمس رحلات بسبب انخفاض الحجوزات؛ نظرا لامتناع العملاء عن السفر بالطائرات في أعقاب تفشي سارس. أعلنت الخطوط الجوية البريطانية أيضا انخفاض أعداد المسافرين بنسبة 11 بالمائة بسبب الوباء، وتوقع الاتحاد الدولي للنقل الجوي أن الخطوط الجوية يمكن أن تواجه خسائر مذهلة بنسبة 6,5 مليارات جنيه إسترليني. «7 أبريل»: توقع خبراء وول ستريت أن نوبة تفشي سارس يمكنها أن تسفر عن كساد عالمي؛ ومن ثم تدفع الاقتصاد العالمي إلى الركود. «15 أبريل»: أفاد العلماء بأن ثمة حيوانات كثيرة يمكنها أن تقوم بدور العائل لسارس؛ مما يزيد احتمالات أن المرض كان متواريا عن الأنظار في مكان ما، وقد توقعوا بقاء المرض في آسيا.
على الرغم من خطورة موجة التفشي تلك، فإنها كانت وباء صغيرا فحسب؛ فقد كانت القدرة على نقل العدوى منخفضة، ولم يتوف من الضحايا سوى 4 بالمائة، كما يوضح الجدول الآتي. وهذه موجة صغيرة مقارنة بموجات تفشي الموت الأسود في حال إذا ما عاود الظهور.
عدد الحالات
نامعلوم صفحہ