أهي صدفة؟
إننا في حاجة إلى ورقة أكتوبر أخرى نخاطب بها الرأي العام العربي ولا ندافع عن أنفسنا أو سياستنا، وإنما نشرح وجهة نظرنا، تلك التي لا يزال البعض لا يفهمها تماما.
وإذا كانت ورقة أكتوبر قد جاءت لتعيد للطموح المصري بعض ما فقده، فنحن في حاجة أمس إلى خطوات أخرى إيجابية، في حاجة إلى وجوه ثورية حقيقية تخاطب ثوار المنطقة الذين أصبحوا هم القوة الفعالة، في حاجة لنعيد للفكر المصري وللكاتب المصري وللصحيفة المصرية دورها الذي يتعاونون على خنقه. لسنا فقط في حاجة لانفتاح اقتصادي تحضر إلينا فيه الرساميل، ولكننا في حاجة لانفتاح معاكس نصدر فيه ثروتنا الحقيقية، مصر العلم والحضارة والقيادة والأفكار. ولا يمكن أن ننحصر هنا فقط في حل مشاكلنا العاجلة؛ فهي حتما لن نستطيع أن نحلها بالانغلاق عليها؛ إن حلها الأوحد هو بالانفتاح على عالم عربي لم يفت بعد الأوان لدورنا فيه، كل العالم العربي وكل الدول العربية وليس بعضها المنتقى فقط. ولو فات دورنا وتمت الخطة الجهنمية فسنكون نحن وليس المشرق أو المغرب أول الضحايا.
ومرة أخرى أعود وأقول إني كتبت هذا عام 1974.
عن عمد اسمع فتسمع
ذاهب أنا لزيارة مكتبة مدبولي في ميدان طلعت حرب، ولكني قبل الباب بقليل توقفت؛ إذ كنت لحظتها أحدق ناحية التمثال ... بالضبط أحدق في وجهه، فركت عيني بضع مرات وعدت أنظر، فعلا كانت شفتا التمثال لا أقول تتحرك، ولكنها بالتأكيد تتململ كالسجين الذي فرضوا عليه الصمت عشرين عاما أو أكثر، تناضل وتتزامم وتكاد بعض ومضة تتفتح على آخرها وتطلق صيحة استغاثة تصم آذان الكون وتوقف الحركة الدائبة حولها في الميدان، وتخرس الأرجل المنطلقة في تباطؤ سريع أو سرعة طائشة إلى حيث - حتى صاحبها - لا يعلم أحد. صرخة تأكدت أنها لو حدثت وانفلتت لأجبرت قاهرة سعد الدين مأمون ذات الملايين الثمانية أن تفعلها مرة وتخرس وتصمت وتسمع.
هب أنه خيال كاتب أو مزيج من واقع أشد غرابة من خيال أي كاتب، هب أنها أمنية، هب أنها معجزة لا بد إذا ظل الحال على هذا المنوال أن تحدث، أو ربما يحدث ما هو أشد منها هولا وإرعابا.
أحسست بالشفقة تجمدني في مكاني، نسيت اسم الكتاب الذي كنت ذاهبا لشرائه، حتى نسيت إلى أي مكان كنت ذاهبا، واستغرقني التمثال بقامته القصيرة وجسده الذي بدا في نظري يرتعش تململا وغضبا، الجسد الممتلئ الواهن رغم امتلائه. - مالك يا باشا؟ ما بك؟
التمثال موضوع بحيث لا يمكنك أن تراه وجها لوجه إلا إذا وقفت في منتصف الجزء الأول من شارع قصر النيل ومرت فوقك على الأقل مائة وخمسون عربة ملاكي وأجرة ونصف نقل، لا بد إذا أردت أن تراه بزاوية وأن يراك بنصف وجه.
ارتفع الحاجب النحاسي الصدئ حتى تجعد الجزء المقابل لي من الجبهة، ارتفع دهشة إذ لا بد أن ما حدث كان شيئا في رأيه خارقا للعادة. له في هذا المكان خمسة عشر عاما أو تزيد، الملايين جاءت الميدان واخترقته ودارت حوله، الملايين تلكأت أمام جروبي وأمام البوتيك وأمام بائع الجرائد، الملايين هرأت الأرصفة الأربعة الدائرة وربما لم يعن لواحد منها أن يرفع رأسه ليرى طلعت حرب أو يتمعن في ملامحه، أما أن يسأله ما به، فلا بد في رأي الباشا النحاسي أن شيئا حدث للكون وخرق ناموسه، وكأن واحدا من ملايين التماثيل النحاسية والبرونزية والخشبية والجميزية، تماثيل أبلاكاشية وكرتونية وعرائس مولد وعرائس ماريونيت وعرائس القشطة وعرائس كالسيد قشطة، لا بد أن اهتز ناموس الكون وخرق قانونه واحد من هذه التماثيل المارة ودبت فيه الروح وفتح عينيه ورأى، رأى الباشا التمثال وعرفه، وأدرك أنه مأزوم إلى درجة تقارب الانفجار.
نامعلوم صفحہ