الانفتاح الاقتصادي يفسر على أنه عملية تصفية للثورة.
اهتمام مصر بحل مشاكلها الداخلية يفسر على أنه تمهيد لحل مصري-إسرائيلي منفرد.
وأعود إلى هؤلاء الذين يريدوننا أن ننغلق على أنفسنا ويكفينا عروبة، فإن هذه دعوة ضد مصر أولا! إنها مثل العالم الذي يقضي عشرين عاما ليكتشف الدواء، ثم في لحظة اكتشافه يكفر بالدواء والعلم معا.
إن هذا الدور البطولي الذي لعبته مصر وأخرجت به الاستعمار الإنجليزي والفرنسي، ودخلت حربا دفاعا عن سوريا ضد حشود مزعومة على حدودها، هؤلاء الشهداء الذين ماتوا، هذا العدد المخيف من المصريين الذين يعلمون العرب ويعالجونهم ويخططون لهم وينشئون دولهم التي لم تنشأ بعد؛ هذا كله استثمار بشري مادي ومعنوي، هذا كله الضريبة التي يدفعها الأب في أعظم سني شبابه، الضريبة التي دفعتها مصر طوال ربع قرن أو تزيد، وحين آن أوان عائدها حين يكبر أبناؤه ويبدءون يردون له ما فعل ينفض يده منهم قائلا: لستم مني ولست منكم. إنه عبث وهراء ودعوة تقتلنا قتلا؛ فمصر بنفسها في حاجة الآن للعرب مثلما كان العرب في وقت ما في حاجة إليها، في حاجة لرءوس الأموال، في حاجة إلى توظيف أبنائها واستغلال ذكائهم، في حاجة إلى سوق لبضائعها، في حاجة أن تجعل من حلم ثورة 23 و15 مايو حقيقة.
ورقة أكتوبر
إن ورقة أكتوبر مكتوبة لنا نحن المصريين، وأنا معها على طول الخط. فهي أحلامي في مصر العظمى، وأن سياسة الرئيس السادات العربية تلقى استحسانا كبيرا من معظم الحكومات العربية؛ فقد كبرت الحكومات العربية، بل ينبغي أن يكون انفتاحا على العالم العربي أجمع ولا نقاطع أي دولة عربية، فما من كاتب أو مسئول تناقشت معه إلا وكان مقتنعا أن الاستعمار يريد أن يعيد اللعبة القديمة في إقامة المحاور العربية.
إن اللعب في المنطقة قائم على قدم وساق، والهدف إحالة مصر إلى دولة عربية من الدرجة الثانية، بينما مصر لا تزال هي مصر، هي كعبة الأمة. وليس ضروريا في هذه المرحلة بالذات أن يكون الانسجام السياسي على أشده، فليكن لكل حاكم أو حكومة رأيه أو موقفه، وإنما الذي لا يجب أن يحدث أبدا هو أن تبدأ السياسة بقطع العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية مثلما كان خطؤنا الأكبر أيام فكرة القومية العربية؛ لنضع سياسة اقتصادية ثابتة، لنعط فيها ونأخذ.
إننا كما نريد أن ننفتح على العالم أجمع، على أمريكا وعلى روسيا وعلى أفريقيا حتى، مهما اختلفت نظم الحكم في تلك البلاد ومهما كان رأينا فيها، من باب أولى أن ننفتح على إخوتنا وأشقائنا وكلهم وبلا استثناء. إنها بلاد تغيرت ونشطت ودبت الدماء في عروقها، ولكنها دائما وأبدا تنظر لنا باحترام، ودائما وأبدا تعتقد أن القضاء على مصر هو قضاء مؤجل عليها، وتريدنا أن نقف على أرجلنا ليس فقط لأننا قلبها وروحها، ولكن حتى لمصلحتها الذاتية، ودفاعا عن نفسها هي.
عشرون عاما ونحن نكافح عربيا، حتى ولو بطريقة خاطئة أحيانا. أعتقد أنه آن الأوان لنجني ثمار هذا الكفاح، ولتفشل المؤامرة التي تعد ومنذ الآن لإحلال الصراع العربي-العربي، مكان الصراع العربي-الإسرائيلي، وهذه في رأيي خطة أذكى وأكثر تطورا.
والخلافات «الأيديولوجية» هي رأس الرمح في إبقاء هذه الشعوب بعيدا عن التفكير في أنها تملك هذا الكنز فعلا، بينما شعوبها لا تزال من أفقر شعوب الأرض.
نامعلوم صفحہ