80

فأرسل خالد إلى أبي عبيدة رسولا يبلغه قبل مقدمه بكتاب يقول فيه: «أتاني كتاب خليفة رسول الله يأمرني بالسير إلى الشام، وبالقيام على جندها والتولي لأمرها، والله ما طلبت ذلك قط ولا أردته إذ وليته، فأنت على حالك الذي كنت عليه لا نعصيك ولا نخالفك، ولا نقطع دونك أمرا ... فأنت سيد المسلمين لا ننكر فضلك ولا نستغني عن رأيك.» •••

وأول خاطر سبق إلى ظن خالد حين حوله الخليفة من حرب فارس إلى حرب الروم أنه عمل من أعمال «الأعيسر» كما يسميه ويعني به عمر بن الخطاب، وأنه نفس عليه أن ينفرد بفتح فارس فأرسله إلى ميدان له فيه شركاء من أعلام الصحابة ذوي الخطر والسابقة الملحوظة بين المسلمين.

وهو ظن بعيد يخطر على بال خالد؛ لأنه يتوقع شيئا من صوب عمر ولكنه لا يخطر على بال غيره؛ إذ لا ينفس عمر على خالد أن ينفرد بغلبة الفرس، ثم يرسله ليغلب الروم بعد أن تأخر الفتح على أيدي كبار القواد من أجلاء الصحابة، فهذا مزيد من الفخر يتطاول إليه المتطاول، وليس بنقص منه يتعمده لخالد من يأباه عليه. وإنما اختار الخليفة خالدا؛ لأن العراق كانت في هدأة من جانب الفرس بعد هزائمهم الكثيرة، وكان في جيش المسلمين وقواده بالعراق كفاية للمثابرة على الفتح بعد أن تم التدويخ والتمهيد؛ ولأن خالدا كان أقرب مدد إلى الشام ولم يكن بالحجاز بقية من قوة فاضلة تضاف إلى قواتهم في حرب الرومان ... فاختاره الخليفة وهو يقول: «لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد.»

وليس من عادة خالد أن يضيع وقتا - قل أو كثر - إذا نيط به أمر من الأمور، فلما ندب للجهاد بالشام نظر فإذا بينه وبين الشام يومئذ من خمسمائة إلى ستمائة ميل على حسب الطرق التي يسلكها، وهي أربع يختار منها أصلحها لإنجاز العمل الذي وكل إليه.

من هذه الطرق الأربع ما هو سهل موفور الماء والكلأ ولكنه من أجل هذا موفور الحراس والسكان، فهم يعوقونه بالمقاومة عن الإسراع بالمطلوب دون أن تكون للغلبة عليهم فائدة تذكر في القتال الحاسم بين المسلمين والرومان ...

ومنها ما هو قليل الحراس والسكان وفيه الماء والكلأ، ولكنه بعيد يطول السير فيه ...

ومنها ما هو وعر قليل الماء والكلأ، مخيف غير مطروق، أو كما قال الدليل الذي سأله خالد: «إنك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال، والله إن الراكب المفرد ليخافها على نفسه، وما يسلكها إلا مغرور. إنها لخمس ليال جياد لا يصاب فيها ماء مع مضلتها ...»

وأيسر شيء على القارئ الذي عرف خالدا أن يعلم أي هذه الطرق يسلكه خالد، فما هو بسالك حيث سلك إلا الطريق الذي هو أحوج إلى قدرة القائد وأدل على العزمة والمضاء وأبعدها جميعا أن يتوقع العدو هجوما منه، فأجمع عزمه على طريق من الطرق الأربع هو أصعبها وأقصرها، وهو الذي خوفه الأدلاء منه، وقال لدليله الأكبر رافع بن عميرة الطائي - ولا أحد يغني غناءه في السير بتلك المفازة المهلكة وإن كان يومئذ من حسر النظر كالمكفوف الضرير: «ويحك إنه والله إن لي بد من ذلك ... إن القوة تأتي على قدر النية، وإن المسلم لا ينبغي له أن يكترث بشيء يقع فيه مع معونة الله.»

ويروي الرواة أن الدليل قال لهم بعد ذلك: أكثروا من الماء، من استطاع منكم أن يصر أذن ناقته على ماء فليفعل، فإنه المهالك إلا ما دفع الله.

ثم قال لخالد: ابغني عشرين جزورا عظاما سمانا مسان، فأتاه بهن فظمأهن حتى إذا أجهدن عطشا أوردهن فشربن، حتى إذا تملأن عمد إليهن فقطع مشافرهن ثم كعمهن لئلا يجتررن ...

نامعلوم صفحہ