لقد رآهم ورآه سيد أهل الطائف عروة بن مسعود، فعاد إلى قومه يقول: «والله يا معشر قريش ... جئت كسرى في ملكه، وقيصر في عظمته فما رأيت ملكا في قومه مثل محمد بين أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه بشيء أبدا، فانظروا رأيكم فإنه عرض عليكم رشدا، فاقبلوا ما عرض عليكم فإني لكم ناصح، مع أني أخاف ألا تنصروا عليه.»
ولقد رأوه بعد ذلك في عمرة القضية لا يتوضأ إلا كاد المسلمون يقتتلون عليه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون النظر إليه، ورأوهم في نظامهم ومودتهم وصدق إيمانهم وخالص نياتهم، فأكبروهم وعز عليهم أن يصغروهم أو يتمادوا في الزراية بهم والإعراض عنهم، وانقلبوا إلى أنفسهم فإذا هم مرتابون في الغد متدابرون في المقصد، منهزمون وهم الأكثرون، محجمون وهم المتربصون، فحانت الساعة لوزن الأمور ومراجعة الحاضر والمصير، وفرضت هذه المراجعة فرضا على كل ذي بصر بالقيادة في معارك النضال أين تفشل وأين يتسع لها المجال، فإذا بالرجلين المفطورين على توجيه الوجوه قد انتهيا إلى رأي في مصير المعركة بين الجاهلية والإسلام في ساعة واحدة، وعلما أين يقف الدينان المتناجزان من حق النصر وعوارض الهزيمة، وهما عبقريا قريش في أصول القيادة على تباين السن والمذهب والمزاج: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
وفي تلك الآونة التي يشتد فيها الجذب والدفع بين الإنسان وقرارة ضميره، وتجب فيها الموازنة وجوبا على كل ضليع يها قادر عليها، لم يترك خالد لنفسه ولم يلبث أن جاءته الدعوة التي تنصره على عناده وتخرجه من تردده، وتستدعي منه البث العاجل بجوابه، وتمسح الغضاضة التي لعلها كانت تثنيه عن تلبية ضميره.
وتلك رسالة من أخيه له من كلام محمد ولا غنى فيها عن جواب.
قال أخوه الوليد: «... أما بعد ... فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام يجهله أحد؟!»
ثم مضى يقول: «سألني رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به. فقال: ما مثل خالد يجهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وحده مع المسلمين على المشركين لكان خيرا له، ولقدمناه على غيره. فاستدرك يا أخي ما فاتك منه، فقد فاتتك مواطن صالحة.»
تلك كانت هي الدعوة التي جاءت في أوانها.
وكان إسلام خالد هو الجواب.
نامعلوم صفحہ