وتحاملت إلى البيت نائيا بأعباء يومي، وبنفسي أن أشتري راحة ليلي بتعب نهاري. وكانت الحبيبة جاثمة في قلب الحديقة، تمزق أكمام زهرة أنيقة، بأناملها الرشيقة. وقفت بها وأحجمت طرفة عين، ثم أقدمت وألقيت ما بيدي بين يديها، ولبثت صامتا ساكنا.
أما هي فحركت طرفيها ورنت إلى تقدمتي؛ ثم سلطت على شفتيها، عوامل فكرها، فتحركتا بما يأتي: «يا لهذه الغرائب! إني لا أؤنس لها معنى، ولا جدوى».
فنكست رأسي وقلت في نفسي: ويحي ثم ويحي! إنني لم أغنم تلك التحف في موقعة، ولا ابتعتها من سوق، فكانت غير الهدية التي تروقها وتليق بها.
وقضيت ليلتي تلك أسري همي، وأساور غمي، ملقيا عني بتلك الهنات على قارعة الطريق واحدة تلو الأخرى.
وكان صباح مرة ثانية:
وإذا بأجانب غرباء جمعوا شتاتها، ونظموا منثورها، وذهبوا بها غانمين.
هوامش
الفصل الرابع
هذه هي القصيدة الثامنة في الأصل. وهي مما عربته ببعض التصرف. وقد جاء نظمها العربي على وزن قليل المقاطع وعلى غير قافية ملتزمة، وإنما عفوا حصل ذلك، فكان على مقتضى الحال. والنكتة في السؤال: «أين هي» واستحياء الفتاة من الرد. وصيغته الأصلية: «هي أنا». وجمال هذه الأبيات في تمثيلها الحياء الذي ينشأ عنه الغنج والدلال من طبائع الحبيب. والمرأة الهندية على أعظم ما يكون من الحشمة والأدب، وهي لولا تملك فطرة الحياء من خلقها لما تحلت بهاتين الخلتين. والحياء وهو من أعوان العفة والأنفة، وإن كان مردودا إلى الضعف والخوف، يكون للمرأة حلية وزينة تدعوان إليها وترغبان فيها، فيصبح ذريعة تتذرع بها وقوة تنصر ضعفها على بأس الرجل وأيده. وقد قيل: أحب شيء إلى الإنسان ما منع، والمنع والتمنع في المرأة فرعان من شيمها والحياء أصلهما.
وقليل ما في الشعر العربي مما جعل على لسان المرأة حتى كأنها هي تعرف وتفصح عن عواطفها، بل لعله نادر جدا وأقل من القليل. وسترى لهذه القصيدة أخوات في هذا الباب:
نامعلوم صفحہ