والتحقت بقسم الصحافة بالجامعة الأمريكية، ووجدت في هذه الدراسة تسلية فوق ما فيها من فائدة؛ لأنها شغلت جزءا من الوقت الذي كنت أضيق به كلما خلوت من العمل.
هكذا قضيت في القاهرة شهرا بعد شهر بغير أن أذهب إلى دمنهور، مع أني عندما سافرت إلى القاهرة في أول الأمر كان يخيل إلي أنني لن أنقطع أسبوعا واحدا عن زيارة مسقط رأسي العزيز، ومنى! أنسيتها؟ ما أعجب أسرار النفس الإنسانية وما أشدها غموضا، لم أنس ذكر منى في هذه المدة يوما واحدا، ولكني كنت أتعمد أن أصرف نفسي عن التفكير فيها، كنت أحس شيئا يشبه الحنق كلما خطرت لي صورتها العزيزة، ولكنه كان مع هذا أبعد شيء عن الحنق عليها، هو شعور أقرب إلى الحنق على نفسي وعلى كل شيء آخر غيرها، وماذا يجديني الاسترسال في التعلق بها وهي لا تزيد على أمل بعيد يشبه النجم في السماء أو الأفق وراء الجزيرة أو السراب في الصحراء، كنت أصرف نفسي عنها عامدا كما يتعمد المسافر أن يصرف نفسه عن الحبيب الذي يفارقه خوفا من الانهيار في موقف الوداع، ولكن العجيب في أمري شيء آخر قد لا يخطر على بال أحد، وذلك أن فطومة الساذجة المسكينة الصغيرة بدأت تؤنسني كلما جاءت إلي تحمل صينية الإفطار.
وبعد مرور عدة أشهر بدأت تتجرأ في بعض الأحيان، وتدخل الغرفة لتجلس على طرف الكنبة بدلا من الجلوس على العتبة، وكنت أحيانا أضيق بها إذا تكلمت عن أشياء لا أعرف عنها شيئا، أو لا تهمني، أو تثقل على سمعي فأقول لها في عنف: «مالي وكل هذا؟» ولكنها كانت لا تغضب بل تضحك قائلة: «وما له؟»
وتبين لي بعد حين أن لها براعة في الغناء والفكاهة، فكنت لا أردها عن زياراتي، وأدعها تمضي على سجيتها كطفلة مرحة خفيفة الروح، وأجد في انطلاقها ما يرفه عني إذا كنت متعبا، وكانت أحيانا تثير رحمتي عندما تذكر أنها تشتهي شيئا، ولا تستطيع أن تشتريه فأعطيها ما تشتريه به، وأجد جزاء وافيا في تعبيرها عن سرورها بطريقتها الساذجة، إذ كانت تهب كالعاصفة وتطوق عنقي بذراعيها وتغني أغنية بلدية فيها مداعبة جريئة، فأنزع ذراعيها عن عنقي في ترفق وأعنفها تعنيفا يسيرا لا يزيدها إلا معابثة ومرحا.
ولكن المسكينة بدأت بعد حين تتكشف عن نواح أخرى لم أتوقعها من قبل، فقد حدث يوما أن جاءت إلي ومعها قطعة من مادة سمراء رفعتها أمام عيني بين أصابعها قائلة: احزر ما هذه.
فسألتها: ما هذا؟
وهممت بأن آخذها منها لأفحصها، فابتعدت عني ضاحكة، وقالت هامسة: نصف ريال.
فأعدت سؤالي: ما هذا؟
فضحكت قائلة: فرفوشة!
فسألتها متعجبا عن معنى «فرفوشة» فضحكت ضحكة عالية فيها شيء من التبذل، وقالت: كان شهاب أفندي يطلب مني كل يوم قطعة ويعطيني ريالا، ولكنها لك بنصف ريال، كنت أموت من الضحك عندما أسمعه يتكلم بعد أن يضعها في سيجارة ويشربها، ألا تعرفها يا سيد أفندي؟ جرب! ضعها في سيجارة وأشعلها تجد نفسك سعيدا.
نامعلوم صفحہ