125

أما الصفات الإلهية فليس في تعددها ما يناقض عقيدة المؤمن بعظمة الله وتفرده بالكمال، ولكنه يفتح باب البحث فيها متى عرف - من الفلسفة - أن الله هو المحرك الذي لا يتحرك، وهو العلة الأولى للوجود، وهو العقل المحض أو الصورة المنزهة عن الهيولى وما يجري عليها من قوانين التركيب والانحلال، فيخطر له التساؤل عن كنه الوجود وكنه الذات وما قد تدل عليه الصفات من التوحد أو التعدد، ومن البساطة أو التركيب.

وقد وصف «الإله» جل وعلا في الإسلام بالصفات التي تعرف بالأسماء الحسنى، ومنها: الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، الغفار، القهار، السميع، البصير، الحكم، العدل، الخبير، الصمد، القادر، الظاهر، الباطن، الرزاق، النافع، الضار، المتكلم، الحسيب - وهي تدل على أفعال واقعة متجددة لا تقف عند الحركة الأولى ولا عند العلة الأولى كما يقول أرسطو وأتباعه، فحاول العلماء أن يوفقوا بين ما ينبغي لله في الدين وما ينبغي لله في المنطق والفلسفة، وتساءلوا: هل هذه الصفات متعددة أو هي أسماء مختلفة لحقيقة واحدة؟ وإذا كانت متعددة فهل في تعددها تركيب يمتنع في حق الله المنزه عن التركيب، أو هو تعدد لا يستلزم التركيب؟ وإذا كانت مفردة فهل يعلم الله بقادريته ويقدر بعلمه؟ وهل هذه الصفات جميعها هي عين الذات أو هي زائدة على الذات؟ وكيف تكون زائدة على الذات والله «أحد» لا زيادة على ذاته؟

واشتد الجدل في هذه المسألة حين ظهرت بدعة القول بخلق القرآن، فقال أناس بأن لفظ القرآن حديث ومعناه قديم، وقال غيرهم: إن كلام الله قديم بلفظه ومعناه، واحتج الأولون سائلين: كيف يقول الله في الأزل:

إنا أرسلنا نوحا

ونوح لم يرسل بعد؟ وكيف يكون له لفظ واللفظ صوت في الهواء من مخارج الأعضاء؟

وعادوا إلى مسألة العلم والإرادة، فقال أنصار أرسطو: إن العلم بالجزئيات يقتضي التغير، ولا تغير في ذات الله، وإن الإرادة تقتضي الطلب والاختيار، والله لا يطلب، ولا شيء بالنسبة إليه أفضل من شيء، فيقع الاختيار بين الشيئين.

وتبلغ الفرق الإسلامية التي خاضت في هذه البحوث عشرات معروفة بأسماء أصحابها أو بأسماء موضوعاتها، ولكننا نستطيع أن نجملها في ثلاث فرق جامعة وهي: أصحاب العقل، وأصحاب النقل، وأصحاب النقل مع اتخاذ الحجة والبرهان من المعقول.

فأصحاب العقل يقولون في مسألة الصفات: إنها تدل كلها على صفة واحدة هي الكمال، وإن كمال الله هو عين ذاته؛ لأن قولنا: «الذات الكاملة» لا يقتضي ذاتا وكمالا، بل يدل على معنى واحد، وإن ماهية الله هي عين وجوده إذ لم يكن له مشارك في الماهية، ويتلخص مذهبهم في أن طريق السلب أقرب من طريق الإيجاب في فهم صفات الله، فأنت لا تجد صعوبة في الفهم حين تقول إن الله غير جاهل، وإنه غير عاجز، وإنه غير متعدد، وإنه غير مركب، وإنه غير ظالم، ولكنك تجد الصعوبة حين تتفهم كنه العلم وكنه القدرة وكنه الوحدانية وغيرها من معاني الأسماء الحسنى، وأجمل ابن مسكويه ذلك في كتاب الفوز الأصغر فقال: «إن البراهين المستقيمة الموجبة يحتاج فيها إلى إثبات مقدمات موجبة للمبرهن عليه ذاتية له أولية، وهي التي يوجد الشيء بوجودها ويرتفع بارتفاعها، والله تعالى أول الموجودات كما بيناه وبرهنا عليه، وهو فاعلها ومبدعها، فإذن ليس له أول يوجد في المقدمات، فلا يمكن إذن أن يبرهن عليه بطريق الإيجاب بالبرهان المستقيم، فأما برهان الخلف على طريق السلب فإنما يحتاج فيه إلى إزالة الأسباب والمعاني عنه، كما نقول: إنه ليس بجسم ولا بمتحرك وليس بمحدث ولا بمتكثر، كما قلنا: إنه ليس يمكن أن يكون للعالم أسباب لا ترتقي إلى واحد، فقد تبين أن برهان السلب أليق الأشياء بالأمور الإلهية وأشبهها بأن تستعمل فيها.»

ويرى الفلاسفة المسلمون أنه لا تعارض بين كمال الله وعلمه بالجزئيات؛ لأن علم الله لا يتوقف على الجزئيات، بل الجزئيات هي التي تتوقف على علمه، أو كما قال ابن سينا: «إن الأشياء حصلت لأن الله قد علم بها، وليس علم الله بها تابعا لحصولها في حينها، وكذلك لا تعارض بين القول بخلق العالم وقدمه؛ لأن العالم لم يسبقه زمان، وإنما سبقته ذات الله التي لا زمان لها ولا أول لوجودها، فقدم العالم معناه أن أوله كأول الزمان، وليس معناه أنه مستغن عن الإيجاد.»

وقال ابن سينا: «إنه ليس يجوز أن يكون واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء؛ لأنه من ذاته يبدأ كل وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها وللكائنة الفاسدة بأنواعها أولا وبتوسط ذلك بأشخاصها.»

نامعلوم صفحہ