أما الوزراء وكبار الموظفين وقواد الجيش، فقد تعودوا أن يروا الرئيس يسعى إليهم أحيانا بدل أن يدعوهم إليه، وكثيرا ما كان يلتفت الواحد منهم، فإذا حاجبه مقبل يعلن إليه أن الرئيس على السلم، أو في الردهة في طريقه إليه.
ويدخل الرئيس فيجلس إلى مرءوسه يستفهمه عما يريد وينصت إليه، فإن كلمه مرءوسه في أمر فني كلام الأخصائي، لا يستنكف الرئيس أن يستوضحه وكأنه منه التلميذ حيال أستاذه، ويعجب المرءوسون من هذا الرجل الذي لا يدعي أبدا العلم في أمر يجهله، والذي يفهم ما يبين له في فطنة وسرعة. •••
أما أبهة المنصب والتمتع فيه بالحياة الدنيا وزينتها، فقد ترك الرئيس ذلك كله لزوجه، لعزوفه عن ذلك بطبعه أولا، ثم لانشغاله بما هو فيه من عظائم ما عرف تاريخ قومه مثلها قط.
وكانت ماري تضيق منه بانصرافه عنها إلى ما كان يشغل البلاد كلها، ولا تزال تعنف عليه وتغلظ له وهما في البيت الأبيض كما كانت تفعل ذلك وهما في سبرنجفيلد، وإنه لأهون عليه أن يقابل ما يقابل من عواصف هذه الحرب الأهلية، من أن يقابل عاصفة من حربها الأهلية الداخلية.
وكانت ماري تضيق أكبر الضيق بهذه الحرب التي تعصف بالبلاد؛ لأنها حرمتها كثيرا مما كانت تتمنى إقامته من الحفلات والولائم، فما يجدر كما يقول الرئيس أن تنصب معالم الفرح والموت يتخطف أبناء الأمة في الحرب الدائرة.
لهذا كانت تتطلع ماري إلى اليوم الذي تضع فيه الحرب أوزارها لتنصرف إلى ما منت به نفسها أعواما طويلة من الولائم والحفلات، فلقد أصبح حلمها القديم بالبيت الأبيض حقيقة واقعة، ولكن أف لهذه الحرب التي تكدر عليها صفوها كثيرا، وأخوف ما تخافه أن تنقضي السنوات الأربع والحرب قائمة تحول بينها وبين ما تشتهي.
وتجد ماري نفسها وسط مظاهر الجاه والأبهة، وتحس أنها ملكة ينقصها التاج إذ تنتقل في ردهات القصر وأفنائه وحجراته، وإذ تنظر إلى أثاثه ورياشه وما فيه من خدم وحراس وحجاب ووصيفات لها يتبعنها ويتقدمنها أينما سارت، وتكره ماري ألا يعبأ زوجها بهذا كلما وجهت الحديث إليه، ولقد يغيظها معابثا فيذكر الغابة وحياة الغابة، حتى لتهتاج وتوشك أن تصرخ، فيدعها لتوه فيما هي فيه من أبهة وزينة ويذهب ليلقى القواد والوزراء.
ويدع لها زوجها أحيانا أن تمتع نفسها بشيء من الولائم والحفلات في بعض المناسبات القومية، فإنها تستتر وراء هذه المناسبات وتأخذ ما تحب من متع الحياة، ويقرأ بعلها ما تلغط به صحف خصومه، فيخفي في نفسه ما لا يحب أو ما لا يجرؤ أن يبديه لها من العتب والملامة.
وكان يؤلم الرئيس ويكاد يفقده صبره أن يعلم أن ماري تتدخل فيما ليس من شئونها؛ فتتصل بالوزراء تشفع لفلان، أو تطلب تعيين فلان في أحد المناصب أو ترقيته، وبخاصة ذوي قرباها الذين أغدقت عليهم النعمة ومدت لهم أسباب الجاه.
كانت ماري تحب الملق وتطرب لعبارات الإطراء والثناء يزجيها إليها في غير خجل أو اقتصاد طلاب الحاجات، وسرعان ما كانت تعنى بأمرهم وتيسر لهم ما صعب عليهم من المسائل في دواوين الحكومة، وكان يندس بين هؤلاء بعض المتجسسين الذين اتخذوا الملق وسيلة إلى جمع الأنباء.
نامعلوم صفحہ