كان يوما يمشي وبعض أصحابه معه فعرض له في الطريق كلب فحسره صاحب فنهاه الشيخ وقال أما علمت أم الطريق بيني وبينه مشترك ودخل يوما مسجدا ليأكل فيه شيئا على عادته فنسي دينارا فذكره في الطريق فرجع فوجده فتركه ولم يمسه وقال ربما وقع من غيري ولا يكون ديناري قال الحافظ أبو سعد السمعاني كان الشيخ أبو إسحاق إمام الشافعية والمدرس ببغداد في النظامية شيخ الدهر وإمام العصر رحل إليه الناس من الأقطار وقصدوه من كل النواحي والأمصار وكان يجري مجرى أبي العباس ابن سريج قال وكان زاهدا ورعا متواضعا ظريفا كريما سخيا جوادا طلق الوجه دائم البشر حسن المحاورة مليح المجاورة وكان يحكي الحكايات الحسنة والأشعار المليحة وكان يحفظ منها كثيرا وكان يضرب به المثل في الفصاحة وقال السمعاني أيضا في موضع آخر تفرد الإمام أبو إسحاق الشيرازي بالعلم الوافر كالبحر الزاخر مع السيرة الجميلة والطريقة المرضية جاءته الدنيا صاغرة فأباها وأطرحها وقلاها قال وكان عامة المدرسين بالعراق والجبال تلاميذه وأصحابه وصنف في الأصول والفروع والخلاف والجدل كتبا أضحت للدين أنجما وشهبا قال وكان يكثر مباسطة أصحابه ويكرمهم ويعظمهم ويشتري طعاما كثيرا فيدخل بعض المساجد فيأكل منه مع أصحابه وما فضل تركوه لمن يرغب فيه وكان طارحا للتكلف قال القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري حملت إليه فتوى فرأيته في الطريق فمضى إلى دكان خباز أو بقال وأخذ دواته وقلمه وكتب جوابه ومسح القلم في ثوبه وكان ذا نصيب وافر من مراقبة الله تعالى والإخلاص وإرادة إظهار الحق ونصح الخلق
وقال أبو الوفاء ابن عقيل شاهدت شيخنا أبا إسحاق لا يخرج شيئا إلى فقير إلا أحضر النية ولا يتكلم في مسألة إلا قدم الإستعاذة بالله تعالى وأخلص القصد في نصرة الحق ولا صنف شيئا إلا بعد ما صلى ركعات فلا جرم شاع اسمه واشتهرت تصانيفه شرقا وغربا ببركة إخلاصه قالوا وكان مستجاب الدعوة قال القاضي محمد بن محمد الماهاني إمامان لم يتفق لهما الحج أبو إسحاق الشيرازي والقاضي أبو عبد الله الدامغاني أنشد السمعاني وغيره للرئيس أبي الخطاب علي بن عبد الرحمن بن هارون بن الجراح شعرا
( سقيا لمن ألف التنبيه مختصرا
ألفاظه الغر واستقصى معانيه )
( إن الإمام أبا إسحاق صنفه
لله والدين لا للكبر والتيه )
( رأى علوما عن الإفهام شاردة
فحازها ابن علي كلها فيه )
( بقيت للشرع إبراهيم منتصرا
تذود عنه أعاديه وتحميه )
قوله مختصرا بكسر الصاد وألفاظه منصوبة ولأبي الخطاب أيضا
( أضحت بفضل أبي إسحاق ناطقة
صحائف شهدت بالعلم والورع )
( بها المعاني كسلك العقد كامنة
واللفظ كالدر سهل صد ممتنع )
( رأى علوما وكانت قبل شاردة
فحازها الألمعي الندب في اللمع )
Sayfa 466