يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر، وقد عقر بضم القاف يعقر عقرا، ويقال: تكلم فلان حتى عقر بكسر القاف؛ إذا بقي لا يقدر على الكلام، وإنما حذف (الهاء) من عاقر لاختصاص الآيات بهذه الصفة كما يقال امرأة مرضع.
وقوله تعالى حاكيا عن زكريا: { وقد بلغني الكبر } هذا المقلوب؛ أي وقد بلغت الكبر وشخت، فإن قيل: هل يجوز أن يقول الإنسان بلغنا البلد كما يقول بلغت البلد؟ قيل: لا يجوز ذلك بخلاف قوله: { بلغني الكبر } بمعنى بلغت الكبر، والفرق بينهما أن الكبر طالب للإنسان لإتيانه عليه بحدوثه فيه، والإنسان كالطالب للكبر لبلوغه إياه بمرور السنين والأعوام عليه، وأما البلد فلا يكون طالبا للإنسان، كما يكون الإنسان طالبا للبلد.
فإن قيل: كيف قال زكريا { أنى يكون لي غلام } فاستبعد أن يعطيه الله ولدا على كبر السن من امرأة عاقر بعدما بشرته الملائكة بذلك؟ قيل: لم يكن هذا القول منه على جهة الاستبعاد ولكن من شأن من بشر بما يتمناه أن يحمله فرط سروره به على الزيادة في الاستكشاف والاستثبات، كما يقول الإنسان إذا رأى شيئا من الأمور العظيمة: كيف كان هذا؟! على جهة الاستعظام لقدرة الله تعالى لا لشك في القدرة.
وقيل: معناه: على أي حال يكون الولد أيردني الله وامرأتي إلى حال الشباب، أم على هذه الحالة؟! وقيل: معناه: أيرزقني الله الولد من امرأتي هذه أو من امرأة غيرها شابة؟ فقيل له { كذلك الله يفعل ما يشآء }؛ أي كإثمار السعفة اليابسة؛ يفعل الله ما يشاء.
[3.41]
قوله تعالى: { قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا }؛ أي قال زكريا يا رب اجعل لي علامة إذا حملت امرأتي عرفت ذلك منها، أراد بهذا القول تعجيل السرور قبل ظهور الولد بالولادة. قال: علامة ذلك أن لا تطيق الكلام مع أحد من الناس منذ ثلاثة أيام من غير خرس { إلا رمزا } أي الا إشارة بالعينين والحاجبين واليدين، وقيل: الرمز: تحريك الشفتين باللفظ من غير إبانة صوت، فذلك علامة حبل امرأتك.
قوله تعالى: { واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار }؛ أي اذكر ربك كثيرا في هذه الأيام الثلاثة؛ { وسبح بالعشي والإبكار } أي صل غدوا وعشيا كما كنت تصلي من قبل، يقال: فرغت من سبحتي؛ أي من صلاتي، وسميت الصلوات سبحا لما فيها من التوحيد والتحميد والتنزيه من كل سوء. وقيل: أراد بالتسبيح التسبيح المعروف فيما بين الناس، وقرأ الأخفش (رمزا) بفتح الميم مصدرا مثل طلبا.
[3.42]
قوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفك وطهرك واصطفك على نسآء العلمين } ، معطوف على { إذ قالت امرأت عمران } ، والمراد بالملائكة جبريل عليه السلام على ما تقدم. ومعنى { إن الله اصطفك } أي اختارك لطاعته وعبادته، { وطهرك } من الكفر بالإيمان والطاعات، كما قال:
ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا
Bilinmeyen sayfa