Tefsir
تفسير صدر المتألهين
وجعلنا من المآء كل شيء حي
[الأنبياء:30]. و " الشيء " يعم الموجودات كلها. فعلوم الإسلام علوم اللسان، وعلوم الإيمان علوم القلب، وله مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.
وقال أيضا بعد ما ذكر جملة من تفاصيل علوم النفس: " وهذا كله علوم من ورائها علوم، عمل بها وظفر بمقتضاها علماء الآخرة. وحرم ذلك علماء الدنيا. الراغبون فيها. وهي علوم ذوقية لا يكاد النظر يصل إليها إلا بذوق ووجدان، كالعلم بكيفية حلاوة السكر لا يحصل بالوصف، فمن ذاقه عرفه.
وينبئك عن شرف علم الصوفية وزهاد العلماء، أن العلوم كلها لا يتعذر تحصيلها مع محبة الدنيا، والإخلال بحقائق التقوى، وربما كان محبة الدنيا عونا على اكتسابها لأن الاشتغال بها شاق على النفوس، فجبلت النفوس على محبة الجاه والرفعة، حتى إذا استشعرت حصول ذلك بحصول العلم أجابت إلى تحمل الكلف، وسهر الليل والصبر على الغربة والأسفار، وتعذر الملاذ والشهوات. وعلوم هؤلاء القوم لا تحصل مع محبة الدنيا، ولا تنكشف إلا بمجانبة الهوى، ولا تدرس إلا في مدرسة التقوى. قال الله تعالى:
واتقوا الله ويعلمكم الله
[البقرة:282]. جعل العلم ميراث التقوى وغير علوم هؤلاء القوم ميسر من غير ذلك بلا شك.
فعلم فضل علماء الآخرة، حيث لم يكشف النقاب إلا لأولي الألباب. وأولوا الألباب حقيقة هم الزاهدون في الدنيا. قال بعض الفقهاء: " إذا أوصى رجل بماله لأعقل الناس يصرف إلى الزهاد، لأنهم أعقل الخلق ".
قال سهل بن عبد الله التستري: " للعقل ألف اسم ولكل اسم منه ألف اسم، وأول كل إسم منه ترك الدنيا ".
ثم ذكر حكاية لطيفة، قال: " حدثنا فلان، عن فلان - وذكر السند إلى أبي عبد الله الخواص، وكان من أصحاب حاتم الأصم - قال: دخلت معه الري، ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلا، يريدون الحج، وعليهم لباس الصوف، ليس معهم جراب ولا طعام، فدخلنا الري على رجل من التجار متنسك يحب المتقشفين فأضافنا تلك الليلة، فلما كان من الغد قال لحاتم: يا أبا عبد الرحمن ألك حاجة؟ فإني أريد أن أعود فقيها لنا هو عليل؟ فقال حاتم: إن كان لكم فقيه عليل فعيادة المريض لها فضل، والنظر إلى الفقيه عبادة فأنا أيضا أجيء معك - وكان العليل محمد بن مقاتل، قاضي الري - قال: سر بنا يا أبا عبد الرحمن.
فجاء إلى الباب، فإذا باب مشرف حسن. فبقي حاتم متفكرا يقول: " باب عالم على هذا الحال " ثم أذن لهم فدخلوا. فإذا دار فوراء، وإذا بزة وستور وغلمان. فبقي حاتم متفكرا. ثم دخلوا إلى المجلس الذي هو فيه، فإذا هو بفرش وطيئة وإذا هو راقد عليها وعند رأسه غلام وبيده مذبة.
Bilinmeyen sayfa