Tefsir
تفسير صدر المتألهين
قال: " قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار، ولا يلينها الماء، ولا تنسفها الرياح ".
وقال: " لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها. ولا في البرية حيث اللصوص والسموم، فتسرقها اللصوص، وتحرقها السموم. ولكن ادخروا ذخائركم عند الله ".
وقال: " تحفر، فتجد دوابا عليها لباسها، وهناك رزقها وهن لا تغزلن ولا تحصدن، ومنهن ما في جوف الحجر الأصم، أو جوف العود، ومن يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله - أفلا تعقلون ".
وقال: " لا تثيروا الزنابير فتلدغكم، كذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم ".
فصل
وأما العرب فقد اشتهر منهم التمثيل بالمحقرات وبأحقر الأشياء، فقالوا: فلان أسمع من قراد، وأطيش من فراشة، وأعز من مخ البعوضة، وأطير من جرادة، وأفسد منها، وأجرء من الذباب ، وألج منه، وأشبه به منه، وأجمع من الذرة، وأضبط منها.
ومثلوا أيضا بما لا شيء أصغر منه كالجزء الذي لا يتجزى، وبما لا يدرك لتناهيه في الصغر إلا اللطيف الخبير، أو بالمعدوم - وهو أخس من كل شيء، لأنه لا شيء محض -، فقالوا: " هذا أصغر مقدارا من الجزء الذي لا يتجزى " و " هذا أقل من اللاشيء في العدد ".
وأما العجم، فكتاب كليلة ودمنة وأشباهه شاهدة على ذلك، وفي بعضها: " قالت البعوضة - وقد وقعت على نخلة عظيمة عالية وأرادت أن تطير عنها -: يا هذه، استمسكي، فإني أريد أن أطير. فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك، فكيف أشعر بطيرانك "؟!
والعجب أن الجاهل المحجوج، والغافل المبهوت، لا يتعجب من دقائق لطف الله وعنايته وإحسانه في خلق البعوضة والعنكبوت، وجعل يتعجب في التمثيل بها في الحقارة لشيء! أولا يرى عجائب البقة أو النملة أو النحل أو العنكبوت في اهتدائها إلى بناء مسكنها، وفي حذقها في هندسة بيتها، وفي جمعها الغذاء، وادخارها لنفسها، وفي إلفها لزوجها، وحزمها واحتياطها في خصائص أمورها وحاجاتها.
فترى العنكبوت تبني بيتها على طرف، فتطلب أولا موضعين متقاربين، بينهما فرجة بمقدار ذراع فما دونه، حتى يمكنه أن يصل بالخيط بين طرفيه، ثم يبتدي فيلقي اللعاب الذي هو خيطه إلى جانب فيلتصق به، فتعدو إلى الجانب الآخر، فيحكم الطرف الآخر من الخيط، ثم تحكم كذلك ثانيا وثالثا، وتجعل بينهما تناسبا هندسيا، حتى إذا أحكم معاقد القمط ورتب الخيوط كاللحمة، اشتغل بالتسدية، فيضيف السدى إلى اللحمة، ويحكم العقد على موضع التقاء السدى باللحمة، ويراعي في جميع ذلك تناسب الهندسة، ويجعل ذلك شبكة يقع فيها البق والذباب، ويقعد في زاوية مترصدا لوقوع الصيد في الشبكة فإذا وقع بادر إلى أخذه وأكله.
Bilinmeyen sayfa