763

Tefsir-i Geylani

تفسير الجيلاني

Bölgeler
Türkmenistan
İmparatorluklar & Dönemler
Selçuklular

ثم خاطب سبحانه كفار مكة على سبيل التوبيخ والتهديد، فقال: { أكفركم } يا معشر العرب { خير } وأضل مطلقا { من أولئكم } الكفار المعدودين المذكورين وجاهة وثروة، مالا ومظاهرة، مكنة ومكانة، ثم إنكم لستم أمثالهم، وهم من شدة قوتهم وشوكتهم، ما نجوا من عذاب الله، أتنجون أنتم { أم } نزل { لكم برآءة في الزبر } [القمر: 43] السماوية والكتب الإلهية، إن من كفر منكم، وخرج عن مقتضى الحدود الإلهية، فهو ناج من عذاب الله، بريء عن انتقامه؟!

{ أم يقولون } من كمال حماقتهم، وركاكة رأيهم: { نحن جميع منتصر } [القمر: 44] أي: نحن جماعة مجتمعون متفقون، أمرنا واحد، رأينا متفق، ننصر وننتصر بعضنا ببعض، بجيث لا نغالب ولا نرام أصلا.

[54.45-55]

ومن كماب بطرهم وغرورهم يقولون هذا، ولم يعلموا أنه { سيهزم الجمع } أي: يفرق جنس الجموع على وجه الهزيمة { ويولون الدبر } [القمر: 45] أي: ينصرف كل منهم عن عدوه مستدبرا إياه في الدنيا.

{ بل الساعة } الموعودة { موعدهم } العظيم؛ لتعذيبهم وتفضيحهم الحقيقي الأصلي، المعنوي والصوري، وما عرض عليهم في الدنيا، فمن مقدمات ما سيلحقهم من العقبى { و } بالجملة: { الساعة } والعذاب الموعود فيها، والساعة { أدهى } أشد وأفظع، ودواهيها لا دواء لها، ولا نجاة منها { وأمر } [القمر: 46] مذاقا من عذاب الدنيا، بل بأضعافه وآلافه.

وبالجملة: { إن المجرمين } المتصفين بالجرائم المستلزمة للخروج عن الحدود الإلهية، وعن متقضى الأوامر والنواهي المنزلة من عنده { في ضلال } عن الحق وأهله في العاجل { وسعر } [القمر: 47] نيران مسعرة لهم، معدة لهم في الآجل.

اذكر لهم يا أكمل الرسل { يوم يسحبون } ويجرون { في النار على وجوههم } صاغرين مهانين، فيقال لهم حينئذ: { ذوقوا } أيها المسرفون المفسدون { مس سقر } [القمر: 48] أي: مساس جهنم، وشدة حرها وحرقها، بدل ما يتنعمون في دار الدنيا بلذاتها الشهية، وشهواتها البهية البهيمية.

وكيف لا ندخل المجرمين في دار القطيعة، ولا نسحبهم نحوها مهانين، فإنهم قد خرجوا عن مقتضى تدبيرنا وأوضاعنا الناشئة منا على مقتضى الحكمة المتقنة البالغة المعتدلة؟! { إنا } بمقتضى كمال علمنا، وشمول قدرتنا وإرادتنا المقتضية للحكم والمصالح، خلقنا وأظهرنا { كل شيء خلقناه } وأظهرناه من كتم العدو مقرونا { بقدر } [القمر: 49] أي: بمقدار نقدره في حضرة علمنا، ولوح قضائنا، ونرتب على المقدار المقدر وجود المقدور المخلوق، فنظهره على وفقه.

{ و } تستبعدوا من حيطة حضرة علمنا، وقدرتنا الكاملة، تفاصيل عموم المظاهر والمخلوقات، وترتب وجوداتها على مقاديرها المقدرة لها في لوح قضائنا؛ إذ { مآ أمرنآ } وحكمنا الصادر المبرم منا في السرعة والمضاء، بالنسبة إلى عموم الكوائن والفواسد الواقعة في عموم الأزمة والآناء، بل بالنسبة إلى جميع الخواطر والخواطف الواردة على القلوب، وإلى جميع الاختلافات الواقعة في حركات العروق الضوارب في هياكل الهويات، بل بالنسبة إلى ما في الاستعدادات والقابليات { إلا } فعلة { واحدة } بلا ترتب وتراخ، وتوقف ومهلة { كلمح بالبصر } [القمر: 50] أي: كنظرة سريعة بالطرف، هيهات هيهات، والله ما هذا التمثيل لسرعة نفوذ القضاء الإلهي إلا بحسب أحلام الأنام، وبمقتضى أفهامهم وأوهامهم السخيفة، وإلا فلا يكتنه سرعة قضائه أصلا، حتى يمثل ويشبه.

ثم قال سبحانه على سبيل الوعيد والتهديد: وكيف لا تخافون أيها المسرفون المفرطون عن شدة بطشنا وانتقامنا { ولقد أهلكنآ } واستأصلنا { أشياعكم } أشباهكم وأمثالكم في الكفر والعناد، وأنواع الفسوق والفساد، بأصناف العقوبات والبليات الهائلة { فهل من مدكر } [القمر: 51] متذك، يتعظ بأهلاكهم وبما جرى عليهم من الشدائد؟!

Bilinmeyen sayfa